قدّم لبنان في 11 نوفمبر الماضي شكوى إلى مجلس الأمن الدولي ضد إسرائيل، احتجاجا على بنائها جدارين فاصلين داخل أراضيه في الجنوب، معتبرا ذلك "انتهاكا خطيرا" لسيادته. وحذرت وزارة الخارجية اللبنانية، في بيان، من أن بناء الجدارين يؤدي إلى قضم مزيد من أراضي البلاد ويخرق القرارات الدولية لوقف إطلاق النار بين الجانبين.
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
منذ توقّف العمليات العسكرية في 27 تشرين الثاني 2024 دخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، تداخل فيها الإقليمي بالدولي وتحوّلت حدود الجنوب إلى محور تفاوض غير معلن حول مستقبل التوازنات.
وفي قلب هذه المعادلة يقف حزب الله الذي يعتبر أنّه انتقل بعد وقف إطلاق النار من مرحلة إلى أخرى مستنداً إلى قاعدة ثابتة تقول إنّ أيّ مسار أو مبادرة يجب أن يكون منسجماً مع اتفاق وقف إطلاق النار ومندرجاته وإلا فهو غير قابل للبحث.
في المقابل، تستمر الأطراف الخارجية في الدفع نحو مسارات تفاوضية لا تحترم روح الاتفاق، وتسعى إلى فرض تنازلات على لبنان عبر الالتفاف على الواقع الذي فرضته المقاومة على الحدود.
تبدأ مقاربة المرحلة الحالية من أسباب المبادرة المصرية تجاه لبنا، فالقاهرة تنظر إلى أيّ تحوّل ديموغرافي كبير في غزة باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي. إنّ انتقال مئات آلاف الفلسطينيين إلى سيناء وبينهم عائلات من حماس وبُنى اجتماعية ذات مناخ إخواني، سيؤثر على المدى الطويل على الاستقرار المصري.
كذلك، ترى مصر أن قبولها بهذا الانتقال يعني عملياً إعلان نهاية القضية الفلسطينية، وبالتالي انتهاء أي أفق لحلّ الدولتين وهو ما لا تريد تحمّل مسؤوليته أمام التاريخ أو أمام الفلسطينيين والعرب. ومن هنا، تعتبر القاهرة أنّ التهدئة في غزة التي عملت عليها لن تستقيم من دون تهدئة مماثلة في لبنان، لأنّ عودة الحرب في الجنوب قد تعيد إشعال الجبهة في غزة حكماً. ومع عجزها عن انتزاع ضمانات من الإسرائيليين بعدم التصعيد في لبنان، توجّهت مصر إلى الحلقة الأضعف، أي لبنان، لممارسة الضغط بغية تحقيق تنازلات تعتبرها ضرورية لمنع انهيار المسار السياسي في غزة.
لا تجاوز لوقف اطلاق النار ومندرجاته
تزامناً مع ذلك، يصرّ حزب الله على قاعدة ذهبية: كل خططه تنطلق من اتفاق وقف إطلاق النار.
فبالنسبة إليه، أيّ بحث يتجاوز تطبيق بنود هذا الاتفاق التي تبدأ بوقف العدوان والانسحاب من الأراضي المحتلة وعودة الأسرى هو بحث مرفوض. ويعدّ هذا السياق حجر الأساس لفهم مواقف الحزب وهو برأيه السبيل الوحيد لمعرفة صدقية أيّ مبادرة أو تسريب أو نقاش مطروح.
أما المرحلة التي سبقت الوضع الراهن فانقسمت إلى مرحلتين واضحتين. الأولى امتدت من 27 تشرين الثاني 2024 وحتى 5 أيلول 2025، وكانت تُسمّى مرحلة نزع السلاح.
ففي 5 و7 آب 2025 أقرت الحكومة اللبنانية مبدأ حصرية السلاح وورقة المبعوث الاميركي توم براك، لكنّها ما لبثت أن اصطدمت بمراوحة كادت أن تجر البلاد إلى صدام، فجرى تصحيح المسار بقرار 5 أيلول حين عرض الجيش خطة بلا مواعيد، وتمّت إعادة توصيف المرحلة بما يتناسب مع الواقع.
بعد ذلك، انتقل الطرح الخارجي إلى عنوان جديد هو «التفاوض» للوصول إلى نزع السلاح، فجاء الأميركي ليطرح التفاوض كبديل يقود نحو الهدف ذاته بطريقة مختلفة. ومع زيارة المسؤولين الأميركيين لبيروت، تحدّث رئيس الجمهورية جوزاف عون عن التفاوض، لكنّه أوضح أنّه تفاوض غير مباشر وضمن سقف وقف إطلاق النار، أي أنّ لبنان قد يقبل بما يرضي الطرف الآخر شرط أن يقوم هذا الطرف بما يرضي لبنان، وهذا بحدّ ذاته قبول بمبدأ التفاوض ولكن داخل حدود الاتفاق.
المبادرتان المصريتان
في هذه الأجواء، تقدّم الجانب المصري بمبادرة في نسختها الأولى سعى من خلالها إلى جرّ لبنان نحو تفاوض مباشر في القاهرة مع إسرائيل. وتضمنّت المبادرة إعادة التأكيد على خلوّ جنوب الليطاني من السلاح بشكل كامل، وإعلان حزب الله رسمياً وعلانية أنّه لن يقوم بأي عمل ضد إسرائيل ثم البدء بمفاوضات تشمل وقف العدوان والانسحاب وإطلاق الأسرى وترسيم الحدود وإقرار خطة نزع السلاح في كل الأراضي اللبنانية.
وفي جوهر هذه المبادرة، ما يسميه الوسط السياسي بـ«إخماد دور السلاح»: أي أنّ الحزب يقدم التنازلات قبل حصوله على وقف إطلاق النار على أن يبدأ التفاوض بعد ذلك بمناقشة هذا الوقف ثم يستمر نحو الخطوات اللاحقة. رفض حزب الله هذه المبادرة فوراً، واعتبر أنّ رفضه يشبه رفضه خطة توم براك، لأنّها تتجاوز وقف إطلاق النار وتلغي المكاسب التي حققها من خلال التزامه به.
ردّ الحزب على المبادرة المصرية بـ«الكتاب المفتوح» الموجّه إلى الرؤساء الثلاثة، والذي حمّلهم فيه مسؤولية أي قرار يتخذونه خارج إطار الموقف الذي يلتزم به الحزب. وأكد الكتاب أنّ الحزب قبل بالاتفاق لتطبيق القرار 1701 وطبّق ما عليه، وأنّ الاتفاق واضح في بنوده: وقف الأعمال العسكرية من طرف واحد، ومنع الحكومة اللبنانية أي عمل عسكري ضد إسرائيل. أما مطالبة المصري بأن يعلن الحزب وقف أي ردّ على إسرائيل علناً، فقد اعتبرها الحزب تجاوزاً للاتفاق الذي ينص أصلاً على التزامه بهذه البنود، وبالتالي لا حاجة لإعلان جديد. كذلك ذكّر الحزب في الكتاب بالبند 13، الخاص بالتفاوض على الحدود برعاية أميركية، وهو ما يعني أنه ليس في حالة إنكار، وأنه موافق على التفاوض لترسيم الحدود البرية كما وافق سابقاً على ترسيم الحدود البحرية.
التزام الحزب بدا واضحاً أيضاً في إشارته إلى أنّه لا يوافق على أي شكل من التفاوض السياسي، لكنه يلتزم التفاوض التقني المتعلق بالحدود ضمن البند 13. وأكد في الوقت نفسه أنّه سلّم السلاح جنوب الليطاني، وأنّ ما تبقى من سلاح يدخل في إطار استراتيجية الأمن الوطني، وأنّ دوره دفاعي لا هجومي.
واعتبر أنّ شيطنة الحزب عبر الإعلام تهدف إلى تبرير الضغوط الخارجية. كما شدّد على أنّه سيكون إلى جانب الجيش والشعب، وأنّ قرار الحرب والسلم ليس بيده، بل إن المقاومة تتحرك فقط إذا هاجمت إسرائيل أو طلب الجيش مساعدتها. وأشار إلى أنّ هذا الموقف سبق المبادرة المصرية، وجاء انسجاماً مع خطاب الاستقلال للرئيس جوزاف عون.
جوهر المبادرة المصرية بنسختيها ظلّ هو نفسه: نزع السلاح. لكنّ النسخة الأولى اقترحت أن يعلن الحزب وقف العمل ضد إسرائيل، ويتم التأكد من خلوّ جنوب الليطاني من السلاح، ثم تبدأ المفاوضات حول وقف الاعتداءات والانسحاب وعودة الأسرى وترسيم الحدود وخطة نزع السلاح شمال الليطاني بجدول زمني تنفذه المؤسسة العسكرية. وبعد رفض الحزب النسخة الأولى على قاعدة أنّه ملتزم باتفاق وقف النار وأنّ على الإسرائيلي وقف اعتداءاته أولاً، جاء خطاب الرئيس جوزاف عون في 22 تشرين الثاني ليشير إلى «إنكار للواقع وكأن لا شيء تغير في الإقليم». لكنّ الحزب يرى أنه هو من قرأ المتغيرات جيداً، ولذلك انتخب الرئيس عون، وقبل ببيان وزاري يتحدث عن حصرية السلاح للمرة الأولى منذ 40 عاماً، وأعطى الثقة للحكومة، وسلّم سلاحه جنوب الليطاني، وطرح دور السلاح المتبقي في إطار استراتيجية الدفاع الوطني، ولم يتدخل خلال الحرب على ايران وبقي ملتزماً باتفاق وقف إطلاق النار الذي يتضمن التفاوض على ترسيم الحدود.
ويرى الحزب أنّ الإسرائيلي والأميركي يريدان أخذ الجنوب ولبنان إلى مكان آخر، وأنّ بناء الجدران داخل الأراضي اللبنانية دليل على عدم نية الانسحاب. ومع أن كلام الرئيس عون كان يهدف إلى إظهار استعداد لبنان للتفاوض ، اعتبر الحزب أنّ روحية هذا الموقف تنسجم مع وقف إطلاق النار والبند 13، فرحب به. لكنّ المصري عاد بأفكار جديدة أكثر تقدماً في اتجاه الضغط، تقسم العملية إلى مرحلتين: الأولى تتضمن تسليم قسم من الأسرى ووقف الاعتداءات، والثانية تسليم بقية الأسرى والانسحاب من التلال، مقابل بدء تسليم السلاح شمال الليطاني حتى نهر الأولي، أي جعل محافظتي النبطية والجنوب خاليتين من السلاح قبل وقف إطلاق النار. كما تطلب المبادرة أن يعلن الحزب أنّه لن يقوم بأي عمل ضد إسرائيل، وأن يوافق بعد انتهاء المفاوضات على تسليم سلاحه في كل لبنان. أي أنّ على الحزب أن يقدّم كل هذه الخطوات قبل أن يبدأ الإسرائيلي بوقف الاعتداءات وتسليم الأسرى والانسحاب من النقاط المحتلة.
وتبيّن لاحقاً أنّ المصري حين قدّم نسخته الأولى إلى الأميركي والإسرائيلي ضمن فكرة «إخماد السلاح»، طالبه الإسرائيلي بالذهاب شمال النهر لأنه بات مسيطراً على جنوبه. ولم يلتقِ المصري بالحزب لأنه يدرك سلفاً موقفه.
موقف بري
أما موقف الرئيس نبيه بري، الذي ورد اسمه في بيان تعيين السفير السابق سيمون كرم رئيساً للجنة «الميكانيزم»، فينطلق من معرفته بأنّ حزب الله موافق ضمنياً على التفاوض ضمن إطار اتفاق وقف إطلاق النار. فعندما زارت أورتاغوس بيروت وعرضت تفاوضاً قبل وقف النار، رفض بري وأبلغها أن التفاوض ممكن فقط ضمن لجنة «الميكانيزم» وتحت سقف الاتفاق. وحين سألته عن قبول مدنيين في اللجنة، قال لها إن لا مانع شرط أن يكونوا خبراء اختصاصيين كما حصل في الحدود البحرية، وهو موقف يدرك الحزب أنه لا يتعارض معه. ويكرّر بري أنّ الإسرائيلي لديه مشروع كبير، وأنّ غرق السفينة سيغرق الجميع، داعياً إلى الحذر، فيما يظهر حزب الله مرونة في مقاربته لهذه المرحلة.
في الخلاصة، يظهر بوضوح أنّ حزب الله، بعد وقف إطلاق النار، انتقل من مرحلة إلى أخرى، لكنه ظلّ متمسكاً بالمرجع الوحيد الذي يعتبره ملزماً: اتفاق وقف إطلاق النار بكل بنوده. أما كل المبادرات التي تدور حوله، فتنطلق من محاولة تجاوزه، أو الالتفاف عليه، أو دفع لبنان لتقديم تنازلات قبل أن يلتزم الإسرائيلي بما في الاتفاق. وفي ظل هذا التعارض الجوهري، تستمر المعركة الدبلوماسية والسياسية بلا هوادة، فيما يُبقي الحزب بوصلته ثابتة عند معادلة واحدة: لا خطوات خارج وقف إطلاق النار، ولا تنازلات قبل وقف العدوان وانسحاب إسرائيل وعودة الأسرى وترسيم الحدود.
