لحظة وصول البابا ليون الرابع عشر الى مطار رفيق الحريري الدولي والقائه التحية على منظريه من مسؤولين وحشود
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
لم يكن نهار الأحد في 30 تشرين الثاني 2025 يوماً عادياً في لبنان. كان الهواء نفسه محمّلاً برائحة المطر والانتظار والقداسة وكأن البلد كلّه قرّر أن يعلّق أوجاعه على رفّ مؤقت ليقدّم لضيفه الاستثنائي، البابا ليون الرابع عشر، أجمل ما يملك من محبة وصبر وحنين إلى الفرح. ففي مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت بدأ المشهد باكراً، حيث توافد الصحافيون من مركزهم الإعلامي في فندق الفينيسيا إلى المطار بعد ساعات من التحضير والتنسيق.

في فندق الفينيسيا، حيث خلية نحل دؤوبة، أعلن مدير المركز الإعلامي ومستشار رئيس الجمهورية رفيق شلالا أنّ عدد الصحافيين الذين تسجلوا لتغطية الزيارة تخطّى 1300 إعلامي من 22 دولة. قاعة خاصة خُصّصت لصحافيي «الستامبا» والإعلام الفاتيكاني والإيطالي، فيما تجهّز المركز بعشرات أجهزة الكمبيوتر ووسائل المساعدة التقنية. كان الاهتمام لافتاً من فريق إعلام القصر الجمهوري الذي بذل جهداً مضاعفاً لاحتواء الإرباك الناجم عن ضخامة الأعداد، فانعكست دماثته على الجميع، وتحولت اللحظات العصيبة إلى ابتسامات قبل دقائق من هبوط الطائرة البابوية.
الملاك الأبيض يحطّ في بيروت
وعند الرابعة إلا ربْعاً، غطّى بياض الطائرة البابوية سماء المطار، ليطلّ «الملاك الأبيض» كما وصفه كثيرون، البابا ليون الرابع عشر، في أول رحلة حبرية له إلى الخارج بعد زيارته تركيا. كان الاستقبال الرسمي على قدر الحدث: رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وزوجته السيدة نعمت عون، رئيس المجلس النيابي نبيه بري وعقيلته السيدة رندة بري، ورئيس الحكومة نواف سلام وعقيلته السيدة سحر بعاصيري.

اصطفّ عناصر الجيش اللبناني على جانبي السجادة الحمراء، فيما تولت الفرقة الموسيقية عزف المارشات الرسمية، وارتفعت الأعلام اللبنانية والفاتيكانية في باحات المطار، ترفرف فوق جموع المواطنين ورجال الدين الذين حضروا باندفاع يلامس الحدث التاريخي.
وعند باب الطائرة، تقدّم طفلان من مركز سرطان الدم يحملان صينية من الخبز والملح والتراب اللبناني. بارك البابا الصحن، اقتطع لقمة من الخبز وتناولها بخشوع، ثم مدّ يده ليبارك الطفلين، قبل أن يدوي إطلاق 21 طلقة مدفعية في فضاء المطار إيذاناً بدخوله الأراضي اللبنانية. كان صراخ الناس يختلط بالموسيقى والمطر… كأن لبنان لأول مرة منذ زمن طويل يلتقط أنفاسه.

الضاحية الجنوبية تقدّم أجمل لوحة عيش مشترك
من المطار انطلق الموكب البابوي في اتجاه قصر بعبدا، ترافقه طوافات الجيش التي تابعت الطائرة البابوية منذ دخولها الأجواء اللبنانية. وعلى امتداد الطريق من المطار وصولاً إلى بعبدا، بدا المشهد ـ كما لم يشهده بلد في استقبال بابوي من قبل ـ فسيفساء بشرية من أبناء الطائفة الشيعية وبيئة حزب الله، وبينهم أطفال «كشافة المهدي» بأزيائهم الكشفية وأعلامهم الصغيرة، من عمر الأربع سنوات حتى العشر، يقفون تحت المطر، يعزفون موسيقى الاستقبال ويرفعون الأعلام الفاتيكانية واللبنانية.
نساء محجبات، شبان بملابس المطر، رجال كبار في السن يحملون صور البابا، مجموعات عفوية تهتف باسمه… كلهم اجتمعوا ليقولوا لجاره في الوطن، ولضيفه في هذا النهار، إن لبنان لا يزال قادراً على أن يبتكر لحظة تعايش أصيلة لا تشبه أي شيء آخر.

قدّم حزب الله، سواء ببيانه الترحيبي قبل الزيارة أو بالحشود التي نزلت إلى الطريق أمس، مشهداً غير مسبوق في معنى الشراكة الإسلامية المسيحية. لم ينظر هؤلاء إلى البيان المستغرب الذي أصدرته القوات اللبنانية قبل ساعات، لم يلتفتوا إلى جراحهم المفتوحة ولا إلى الأبنية المهدّمة بفعل القصف الإسرائيلي. لم تمنعهم صدمة اغتيال القيادي هيثم الطبطبائي قبل أسبوع واحد من قدوم البابا إلى لبنان. خرجوا إلى الطريق ليقدّموا درساً عملياً في الإنجيل: «المحبة لا تسقط أبداً». جسّدوا هذه الآية بسلوكهم لا بالكلام.

إلى بعبدا… حيث تنتظر الدبكة واليافطات وحمامة السلام
ازدادت الحشود كلما اقترب الموكب من قصر بعبدا. امتدّت اليافطات على طول الطريق: «بابا السلام»، «مرحباً بقداستكم في وطن الرسالة»، «لبنان يفتح قلبه». وتحت المطر المتساقط بخفة، كانت فرقة دبكة بعلبكية تقف على الطريق، تتراقص على أنغام موسيقى محلية يصعب أن تمرّ أمامها من دون أن تخطف ابتسامة من كل من يشاهدها.
وصل البابا على متن «البابا موبيلي» وسط صيحات الناس ورفرفة الأعلام. وفي باحات القصر الجمهوري قُدّمت لوحة فنية ثلاثية الأبعاد حبست أنفاسه: حمامة سلام تطير فوق أشجار الأرز، وصورته ترتفع بين الضوء والظلّ كأنها تلامس سماء بعبدا. بدا البابا متأثراً، يحملق باللوحة طويلاً قبل أن يتبادل الكلمات مع رئيس الجمهورية الذي فتح باب الاحتفال بخطاب عن أهمية السلام ودور لبنان في الحوار بين الأديان.

ثم كان انتظارٌ مؤثّر لفرقة من الأطفال الصمّ والبكم، الذين أنشدوا بأيديهم أغاني ترحيبية تعبّر عن المحبة بلغة صامتة لكنها نافذة إلى القلب. دخل البابا بعدها إلى القاعة الذهبية حيث كتب كلمته في السجل الذهبي، فأضاف صفحة جديدة إلى سجل الزيارات البابوية إلى لبنان.
إلى حريصا… ومساء من الهدوء الروحي
غادر البابا بعبدا باتجاه حريصا. في دير راهبات الكرمل، كان الهدوء بانتظاره بعد ساعات من الضجيج الجميل. التقى الراهبات، تبادل معهن الحديث والصلاة، التقط الصور التذكارية معهن، ثم توجه إلى السفارة البابوية في حريصا حيث بات ليلته الأولى في لبنان.

وهكذا انتهى اليوم الأول من زيارة قداسة البابا ليون الرابع عشر… يوم حمل المطر، والدموع، والابتسامات، والصلوات، ورائحة الخبز والملح والتراب. يوم قال فيه لبنان للعالم: ما زلنا هنا… وما زلنا قادرين على صناعة الدهشة والقداسة معاً.
