رئيس الجمهورية: يمكننا الآن العمل جدياً على تطوير اتفاقيات ثنائية وإطلاق مشاريع في مجالات الطاقة والاتصالات والسياحة والأمن والدفاع مع مشروع "مركز البحث والإنقاذ"
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
شهد لبنان أمس حدثًا دبلوماسيًا بارزًا تمثل في توقيع الاتفاقية الجديدة لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وجمهورية قبرص، وهو إنجاز يُعد حلًا ملموسًا لمعضلة بحرية استمرت لأكثر من عقدين بين الطرفين. وقد عبّر الرئيس اللبناني جوزاف عون في كلمته خلال الاحتفال الرسمي في قصر بعبدا عن ارتياحه لهذا الإنجاز، مؤكدًا أن الاتفاقية تتيح للبلدين بدء استكشاف ثرواتهما البحرية، كما تفتح المجال للتعاون المشترك في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والربط الكهربائي، والبحث العلمي، بما يعزز الأمن الاقتصادي والاستراتيجي لكلا البلدين. من جانبه، وصف الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس الاتفاقية بأنها “تاريخية واستراتيجية”، مؤكدًا أن ترسيم الحدود سيعزز الثقة بين البلدين ويوفر اليقين القانوني للمستثمرين، كما يشكّل قاعدة للتعاون الإقليمي في شرق المتوسط.
لفهم أهمية الاتفاقية الجديدة، لا بد من العودة إلى خلفية الخلاف القديم الذي بدأ عام 2007 عندما وقع لبنان اتفاقية أولية مع قبرص لترسيم الحدود البحرية، لكن التوقيع جاء على أساس خطأ تفاوضي كبير تمثل في اعتماد النقطة 1 كنقطة الانطلاق الجنوبية للحدود، بينما كانت النقطة الصحيحة التي تحفظ الحقوق اللبنانية هي النقطة 23. ولم يدرج الاتفاق أي بند مؤقت لحين تحديد النقطة الثلاثية مع إسرائيل وقبرص، ما ترك لبنان في موقف قانوني هش. في عام 2010 أرسل لبنان خرائطه للأمم المتحدة اعتمادًا على النقطة 23 دون التنسيق مع قبرص، وبعدها بشهر وقّعت قبرص اتفاقًا مع إسرائيل اعتمد النقطة 1، ما أضفى صفة قانونية على الوضع السابق وخلق مساحة بحرية متنازع عليها تبلغ نحو 860 كلم²، وهي من أغنى المناطق المحتملة للغاز اللبناني. هذا الوضع جعل تعديل الاتفاق شبه مستحيل، لأن لبنان لا يريد التفاوض المباشر مع إسرائيل، وقبرص مرتبطة باتفاقها مع إسرائيل، في حين أن الأمم المتحدة ومحكمة البحار ليستا صالحتين، ومحكمة العدل الدولية تتطلب موافقة الأطراف الثلاثة.
الاتفاقية الجديدة أنهت هذه المعضلة من خلال تحديد خط الوسط بين لبنان وقبرص ابتداءً من النقطة 23 وصولًا إلى النقاط 25 و24 و1 إلى 7 وفق الإحداثيات الجغرافية المرفقة في الملحق الأول، وتوضيحها بيانيًا في الملحق الثاني. وتنص الاتفاقية على التعاون المشترك إذا امتدت الموارد الطبيعية بين مناطق الطرفين لضمان استغلالها بشكل عادل، كما تتيح مراجعة النقاط الجغرافية مستقبلًا بالتنسيق مع الطرف الآخر في حال تم ترسيم حدود جديدة مع دولة مجاورة. وقد وُضعت آليات لتسوية النزاعات من خلال القنوات الدبلوماسية، وإذا لم تُحل، يتم اللجوء للتحكيم وفق المحكمة الدائمة للتحكيم لعام 2012، ما يوفر حماية قانونية للبنان ضد أي محاولات للطعن في حقوقه.
من الناحية العملية، تتيح الاتفاقية الجديدة للبنان وقبرص بدء الاستكشاف البحري بثقة قانونية، وتفتح المجال أمام المستثمرين للعمل في القطاعات البحرية والطاقة، وتدعم المشاريع المشتركة في الطاقة المتجددة والاتصالات والسياحة والأمن البحري. كما تؤكد الاتفاقية على علاقات حسن الجوار والصداقة التاريخية بين البلدين وتضع أساسًا للتعاون الإقليمي في شرق المتوسط، مع إغلاق أي ثغرات سابقة كانت قد استغلتها إسرائيل، وحماية الحقوق اللبنانية بشكل واضح.
بذلك، يكون لبنان قد حقق عبر هذه الاتفاقية ترسيم حدوده البحرية رسميًا بدءًا من النقطة 23، وحل الخلاف القديم الناجم عن اتفاقية 2007، ووضع إطار قانوني وسياسي واقتصادي متكامل لاستكشاف موارده البحرية، بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة.
النص الرسمي للاتفاقية يوضح أن الجمهورية اللبنانية وجمهورية قبرص اتفقتا على ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بخط الوسط المحدد بالنقاط 23 و25 و24 و1 إلى 7، مع مراعاة المادة 74 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتعاون الطرفين في حال امتداد الموارد الطبيعية بين مناطقهم، واستشارة الطرف الآخر قبل أي تعديل مستقبلي، وتسوية النزاعات أولًا دبلوماسيًا ثم بالتحكيم إذا لزم الأمر، مع دخول الاتفاق حيز التنفيذ عند تبادل وثائق الإبرام، وذلك وفق الإجراءات الدستورية لكل دولة.
نص الاتفاقية
وفي ما يلي نص الاتفاقية:
اتفاق بين الجمهورية اللبنانية
و جمهورية قبرص
بشأن ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة
إنّ الجمهورية اللبنانية وجمهورية قبرص (المشار إليهما في ما يلي بـ”الطرفين”)؛
– رغبة منهما في تعزيز علاقات حسن الجوار والتعاون بين البلدين؛
– وإدراكاً منهما لأهمية ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لغرض التنمية في كلا البلدين؛
– وإذ تذكّران بالأحكام ذات الصلة من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تاريخ 10 كانون الأول 1982، والتي انضمت إليها الدولتان؛ لا سيما المادة 74 منها،
– وإذ يأخذ الطرفان بالإعتبار الإتفاقيّة التي وقّعت بينهما في 17 كانون الثاني عام 2007 بشأن ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة، والتي لم تدخل حيز التنفيذ؛
– وبالنظر إلى الرسائل المتبادلة بتاريخ 27 تشرين الأول 2022 بشأن تحديد الحدود البحرية الجنوبية للجمهورية اللبنانية؛
قد اتفقتا على ما يلي:
المادة 1
- يتم ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الطرفين بخط الوسط المحدّد بالنقاط (23) و(25) و(24) و(1) إلى (7) وفقًا لقائمة الإحداثيات الجغرافية المرفقة بهذا الاتفاق (الملحق الأول).
- يظهر خط الوسط، كما تم تحديده، بيانياً ولأغراض توضيحية فقط، على الرسم البياني الموضّح في الملحق الثاني من هذا الاتفاق.
- مع الأخذ بعين الاعتبار المادة 74 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار المؤرخة 10 كانون الأول 1982، يمكن مراجعة الإحداثيات الجغرافية للنقطة (7) وتعديلها حسب الأصول ووفق الضرورة في ضوء ترسيم الحدود المستقبلي للمنطقة الاقتصادية الخالصة مع الدولة المجاورة الأخرى ذات الصلة ووفقاً لاتفاق يتم التوصل إليه في هذا الشأن بين الدول المجاورة المعنيّة.
المادة 2
في حال وجود موارد طبيعية تمتد من المنطقة الاقتصادية الخالصة لأحد الطرفين إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة للطرف الآخر، يتعاون الطرفان من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن طرق استغلال هذه الموارد.
المادة 3
إذا كان أي من الطرفين منخرطاً في مفاوضات تهدف إلى ترسيم حدود منطقته الاقتصادية الخالصة، وإذا كان هذا الترسيم مرتبطاً بالإحداثيات الجغرافية للنقطة (7)، علی هذا الطرف، قبل التوصل إلى اتفاق نهائي مع الدولة المجاورة الأخرى ذات الصلة، إخطار الطرف الآخر واستشارته.
المادة 4
- تتم تسوية أي نزاع ينشأ عن تنفيذ هذا الاتفاق عبر القنوات الدبلوماسية بروح من التفاهم والتعاون.
- في حال عدم قيام الطرفين بتسوية النزاع خلال فترة زمنية معقولة عبر القنوات الدبلوماسية، تتم إحالة النزاع إلى التحكيم وفقًا لقواعد التحكيم الخاصة بالمحكمة الدائمة للتحكيم لعام 2012.
المادة 5
- يخضع هذا الاتفاق للإبرام وفقاً للإجراءات الدستورية في كل دولة.
- يدخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ عند تبادل وثائق الإبرام.
كما أرفقت الاتفاقية بملحقين، الأول يتضمن قائمة الإحداثيات الجغرافية للنقاط 23 و 25 و 24 و 1 إلى 7 التي تحدد خط الوسط وحدوده، والثاني مخطط يبيّن خط الوسط.
