Al-Tabtabai with his friend Talal Al-Saghir, whom Israel killed at the age of 17. According to well-informed circles, Al-Tabtabai had requested to be buried in his friend’s shrine.
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
يشكّل اغتيال القيادي البارز في حزب الله هيثم الطبطبائي المعروف بـ”السيد أبو علي” واحدة من أكثر العمليات تأثيراً على الهيكلية الأمنية–العسكرية للحزب منذ مقتل القائد العسكري عماد مغنية في العام 2008 في دمشق. وبالرغم من أنّ حزب الله تكبّد خلال العام الأخير سلسلة خسائر في صفوف قادته فإنّ اغتيال الطبطبائي يضعه وفق مصادر متابعة “أمام مفترق طرق شديد الحساسية، نظراً لدوره الواسع وموقعه المتقدّم داخل المنظومة القيادية.”
مكانة الطبطبائي داخل الحزب
يُوصف الطبطبائي في الأوساط الحزبية بأنه «الرقم الصعب» في البنية العملياتية وأحد أكثر الشخصيات تأثيراً بعد الأمين العام الشيخ نعيم قاسم. ولد في لبنان، وعاش كامل حياته فيه، ويعرفه عدد واسع من كوادر الحزب وبيئته ويصفونه بأنه “أكثر لبنانية من كثر من اللبنانيين، صحيح أن أصل عائلته إيراني ووالده إيراني لكنه لبناني في المنشأ والتربية والعيش”.
كان يعتبر من القادة الذين يجمعون بين الخبرة الميدانية والتجربة التنظيمية الممتدة منذ الثمانينيات وارتبط اسمه بمئات العمليات خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وبالعديد من المعارك التي خاضها الحزب منذ ذلك الحين، “عاش حياته عسكريا وكرّسها للمقاومة”.
تولّى الطبطبائي مهاماً أمنية وعسكرية حساسة، شملت مسؤولية محاور رئيسية في أبرز محطات المواجهة، ويُعدّ من أبرز المشاركين في عمليّتَي “تصفية الحساب” عام 1993 و“عناقيد الغضب” عام 1996، قبل أن يواكب تحرير الجنوب عام 2000 ويتولّى خلال حرب تموز 2006 مسؤولية محور الخيام حيث أشرف على خطوط المواجهة الأمامية. وفي سوريا، قاد محاور قتالية تمتد من الحدود الشرقية للبنان وصولاً إلى حلب. ومع تزايد نفوذه داخل الهرمية العملياتية، أسندت إليه لاحقاً مهمة الانخراط في الحرب اليمنية، بعدما فضّل بعض القادة العسكريين في الحزب إبعاده إلى تلك الساحة بسبب نظرته الثاقبة وانتقاداته الحادّة للبنية العسكرية وطرق إدارة الملفات. وهناك، لعب دوراً محورياً في إدارة العمليات ودعم الحلفاء، مستفيداً من خبرته الميدانية وشبكة علاقاته.
ومع اتساع الفراغ القيادي داخل حزب الله خلال العام الأخير نتيجة سلسلة اغتيالات استهدفت قادة الصف الأول، برز الطبطبائي كإحدى الشخصيات التي تولّت صلاحيات هؤلاء بأكملها تقريبا ما رفع من أهميته داخل الهيكل التنظيمي.
تفاصيل العملية والملابسات الأمنية
وفق المعلومات المتداولة، ظهر الطبطبائي بشكل مفاجئ الأحد الماضي داخل شقة في الطابق الرابع في منطقة بئر العبد—إحدى أكثر المناطق اكتظاظاً وارتباطاً بالحضور القيادي للحزب. ورغم أنّه كان يُعرف بحساسيته الشديدة تجاه المخاطر الأمنية إلا أنّ الشقة نفسها وُصفت بأنها “منكشفة أمنياً”، وكان هو نفسه قد نبّه مراراً إلى ذلك.
وعلى الرغم من سنوات طويلة اتسمت بتجنّب الظهور العلني، فإنّ إحدى الثغرات التي انكشفت اثر اغتياله كانت صورة التقطتها له صحافية عبر هاتفها أثناء زياراته لعائلات شهداء وجرحى وقد أثارت تلك الصورة نقاشات حول مدى الاهمال الذي قد يصيب احيانا شخصيات محصنة بهذا القدر بسبب العلاقات الاجتماعية. سبق للولايات المتحدة أن خصّصت مكافأة قيمتها 5 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إليه.
أعاد اغتيال الطبطبائي إلى الأذهان مقتل عماد مغنية، الذي شكّل في حينه العقل الأمني والعسكري الأبرز في حزب الله. بعد اغتيال مغنية عام 2008، اعتبر مراقبون أن الحزب فقد مركز الثقل في منظومته العملياتية. وبالرغم من إعادة هيكلة مؤسساته العسكرية والأمنية لاحقاً، فإنّ تأثير تلك الضربة بقي ملموساً في قدرته على إدارة العمليات البعيدة والمعقدة بالطريقة التي كان يشرف عليها مغنية.
تُقارن مصادر متابعة بين اللحظتين على أساس أن الاغتيالين استهدفا شخصيتين تتجاوزان الأدوار العسكرية التقليدية، وتمتلكان شبكة علاقات تمتد بين الساحة اللبنانية والجبهات الخارجية. لكن الفارق الجوهري، وفق التقييم نفسه، يكمن في أنّ حزب الله اليوم يمرّ في مرحلة أصعب من عام 2008، نظراً لتعدد الجبهات وانشغاله في ملفات داخلية وإقليمية في الوقت نفسه.
تدلّ المؤشرات الأولية على أنّ مقتل الطبطبائي قد يفرض على حزب الله إعادة نظر شاملة في بنيته التنظيمية والعسكرية، إذ كان يشغل موقعاً بالغ الحساسية في سدّ الفراغ الذي خلّفته سلسلة الاغتيالات التي طالت قادة الصف الأول خلال العام الأخير. ومع غيابه، تبدو مسألة إعادة توزيع الصلاحيات داخل الهرمية القيادية معقّدة، في وقت تتعدد فيه الجبهات التي ينشط فيها الحزب خارج لبنان وداخله، ما قد يستدعي إعادة تقييم لطبيعة الانخراط الإقليمي وإدارة الملفات الميدانية.
وفي البعد الأمني، يثير تنفيذ العملية داخل واحدة من أكثر المناطق تحصيناً لدى الحزب أسئلة حول مستوى الاختراق، الأمر الذي قد يدفعه إلى إعادة مراجعة منظومته الداخلية وآليات حماية قادته. كما يجد الحزب نفسه، مرة جديدة، أمام صعوبة تقديم رواية كاملة عن كيفية حصول الاغتيال، على غرار ما حدث بعد مقتل عماد مغنية، وهو عامل يزيد من الغموض المحيط بالعملية ويعزّز التساؤلات حول حجم التحديات الأمنية التي يواجهها.
وفي المحصلة، يضع الاغتيال الحزب أمام مفترق طرق حرج، تتقاطع عنده الاعتبارات العسكرية والأمنية والسياسية. فمع الفراغ القيادي، وكثرة ساحات الاشتباك، وتزايد الضغوط الداخلية، قد يجد حزب الله نفسه مضطراً إلى إعادة بناء جزء من هيكليته الأمنية واستراتيجية عمله. ومع غياب معطيات دقيقة حول ظروف الاغتيال وتوقيته، تبقى التداعيات مفتوحة على احتمالات عدّة، من دون مؤشرات واضحة حتى الآن إلى المسار الذي سيسلكه الحزب في المرحلة المقبلة.
