عون يلقي خطاب الاستقلال الـ82 من قلب الجنوب: خطة لبنانية متكاملة لتسلّم النقاط المحتلة ووقف الاعتداءات الاسرائيلية
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
في الذكرى الـ82 لإستقلال لبنان اختار رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن يكسر التقاليد والبروتوكول موجهاً رسالته إلى اللبنانيين من عمق الجنوب اللبناني من ثكنة “بنوا بركات” في صور في لحظة لا يزال فيها الجنوب تحت وقع الاعتداءات الإسرائيلية اليومية.
هذا الانتقال بحدّ ذاته تحوّل إلى جزء من الرسالة وإلى فعل سياسي لا يقلّ أهمية عن مضمون الخطاب إذ جاء ليؤكّد أن استقلال لبنان ليس مناسبة رمزية فحسب بل معركة قائمة في أرض ما زالت تدفع ثمن غياب الدولة وتكرار الحروب.
استقلال تحت النار
كان واضحاً أن عون أراد القول إن الاستقلال هذه السنة ليس احتفالاً بل تثبيت معادلة جديدة: لا استقلال بلا الجنوب ولا جنوب بلا الدولة. ومن موقع المواجهة المفتوحة مع إسرائيل منح الخطاب شرعيته الأقوى.
فاختيار الجنوب مكاناً للكلمة هو إعلان بأن الدولة تعود إلى النقطة الأكثر حساسية في الجغرافيا والسياسة والأمن وأنها تستعيد دورها في إدارة ملف الحدود لا عبر الردع المتناثر ولا عبر القوى الخارجة عن سلطتها، بل عبر الجيش اللبناني وصيغة دولة واحدة لا تتجزأ.
لذا يكتسب الخطاب أهمية سياسية استثنائية إذ شدّد عون على أنّ “لا استقلال حقيقياً، إلا بتحرير وتعمير الجنوب، وكل لبنان“ وأن الدولة هي صاحبة القرار والسيادة بلا شريك أو وصي.
وسط استمرار الاعتداءات الإسرائيلية جاءت هذه الرسالة لتعيد تعريف معركة السيادة في إطار وطني شامل، ولتربط الاستقلال بإعادة بسط الدولة سلطتها على كل حدودها.
رسالة مزدوجة
في السياسة، الانتقال إلى الجنوب لم يكن مجرد خيار احتفالي بل فعل استراتيجي. أولاً، هو ردّ على إسرائيل التي تراهن على فراغ الدولة أو هشاشتها.
وثانياً، هو رسالة إلى الداخل اللبناني بأن الدولة موجودة على خطوط النار وأنها وحدها المعنية بإدارة أمن الحدود والمفاوضات والقرارات المصيرية.
إنها لحظة تستعيد فيها رئاسة الجمهورية دور “الحَكَم السيادي” في مرحلة إقليمية مضطربة ومن الجنوب تحديداً قدّم عون أكثر المواقف جرأة منذ انتخابه حين أعلن في فقرة محورية ستشكّل قاعدة الجدل السياسي في المرحلة المقبلة ما يأتي، قال الرئيس عون حرفيا:
“ لماذا أنا في الجنوب الآن؟
لقد اخترت هذا المكان وهذه اللحظة، لأقول بموجب ضميري الوطني، ومسؤوليتي عن بلد وشعب، ولأعلن لكل العالم، ما يلي:
أولا: تأكيد جهوزية الجيش اللبناني لتسلم النقاط المحتلة على حدودنا الجنوبية، واستعداد الدولة اللبنانية لأن تتقدم من اللجنة الخماسية فوراً، بجدول زمني واضح محدد للتسلم.
ثانياً: استعداد القوى المسلحة اللبنانية لتسلم النقاط فور وقف الخروقات والاعتداءات كافة، وانسحاب الجيش الاسرائيلي من كل النقاط.
ثالثاً: تكليف اللجنة الخماسية بالتأكد في منطقة جنوب الليطاني من سيطرة القوى المسلحة اللبنانية وحدها وبسط سلطتها بقواها الذاتية.
رابعاً: إن الدولة اللبنانية جاهزة للتفاوض، برعاية أممية أو أميركية أو دولية مشتركة، على أي اتفاق يرسي صيغة لوقف نهائي للاعتداءات عبر الحدود.
خامساً: وبالتزامن، تتولى الدول الشقيقة والصديقة للبنان، رعاية هذا المسار، عبر تحديد مواعيد واضحة ومؤكدة، لآلية دولية لدعم الجيش اللبناني، كما للمساعدة في إعادة إعمار ما هدمته الحرب. بما يضمن ويسرّع تحقيق الهدف الوطني النهائي والثابت، بحصر كل سلاح خارج الدولة، وعلى كامل أراضيها.
هذه المبادرة، هي اليوم برسم كل العالم، برسم كل صديق وحريص وصادق في مساعدة لبنان، وفي استتباب الأمن والاستقرار على حدودنا وفي المنطقة. ونحن جاهزون لها. وملتزمون.”
معالم مبادرة لبنانية لاستعادة الدولة
يقدّم خطاب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون تحولاً سياسياً نوعياً يتجاوز الطابع الرمزي للمناسبة نحو وضع خطة عمل سيادية مكتملة العناصر. فالخطاب يعلن للمرة الأولى منذ سنوات عن مبادرة لبنانية واضحة لاسترجاع القرار السيادي على الحدود انطلاقاً من جهوزية الجيش اللبناني لتسلّم النقاط المحتلة مروراً بطرح آلية دولية داعمة وداعية إلى إعادة إعمار ما دمّرته الحرب ووصولاً إلى استعداد الدولة للتفاوض من موقع المبادرة لا من موقع ردّ الفعل.
هذا الانتقال من الرمزية إلى الفعل، ترافق مع إسقاط واضح لما سمّاه الرئيس “معادلات الإنكار” التي تتحكم بالنقاش الداخلي: فهناك من يتصرّف وكأن شيئاً لم يتغيّر متمسّكاً بتشوّهات عمرها عقود في مفهوم الدولة، وهناك من يتخيّل أن زلزال المنطقة ألغى جماعة لبنانية كاملة من المعادلة. في الحالتين، يضع عون حدّاً لهذا التفكير الإقصائي معلناً أن لبنان لم يعد يحتمل ازدواجية السلطة ولا مشاريع الدويلات، وأن “حصر ولاء اللبناني بدولته” بات شرطاً لإنقاذ الكيان.
في العمق، يعكس خطاب الاستقلال إعادة تموضع لبنانية في الإقليم. فالرئيس عون قدّم من صور قراءة جديدة لموازين القوى بعد اتفاق غزة وصدوره في مجلس الأمن، وبعد تطوّر العلاقة مع سوريا على قاعدة: “بلدين سيدين نديين”، وبالتوازي مع المسار الأميركي–السعودي الذي اعتبره مؤشراً على مرحلة إقليمية تتجه نحو استقرار متدرّج. وبين التمسك بالقرار الوطني المستقل في كل ما يتعلق بالشأن اللبناني، وربط أي خطوة خارج الحدود بالموقف العربي الجامع يطرح عون معادلة مزدوجة: سيادة داخلية كاملة، وانخراط إقليمي محسوب ضمن إطار عربي موحّد.
ويأتي ربط الرئيس للاستقلال الحالي باستقلالي 1943 و2005 ليقدّم مفهوماً جديداً لما سمّاه “معركة الاستقلال الثالث”. فلبنان، كما قال، ليس صفحة من الماضي، بل مشروعاً دائماً للتحرّر من الاحتلالات الخارجية ومن خراب الداخل معاً. ومن هنا، يصبح تحرير الأرض وحصر السلاح بيد الدولة واستعادة الاقتصاد من الانهيار، وإحياء ثقافة الدولة التي تلاشت بفعل الحروب والوصايات عناصر أساسية في معركة الاستقلال الجديدة التي يعتبر عون أن الظروف الإقليمية والدولية تهيّئ لها.
ولم يفت الخطاب توجيه رسائل إلى الداخل، وخصوصاً إلى الجهات التي يعنيها مضمون الكلام من دون أن يسمّيها: فمن جهة، أعلن أن “لبنان كفر بمشاريع الدويلات”، ومن جهة أخرى رفض فكرة أن طائفة لبنانية قد انتهت أو خرجت من المعادلة.
وبين هاتين الحالتين من الإنكار يضع الرئيس إطاراً واحداً وحيداً: العودة إلى سقف الدولة بلا استثناءات ولا اجتهادات. ولعل اختيار الجنوب منصة لإطلاق هذه المواقف، وفي ذروة الاعتداءات الإسرائيلية والتوترات الميدانية، يحمل بعداً إضافياً: رسالة أن الدولة قادرة ومستعدة لتحمّل مسؤولياتها كاملة، شرط انسحاب إسرائيل من كل النقاط المحتلة، وتفعيل الرعاية الدولية، ودعم الجيش، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار.
أما في الشق الاقتصادي، فقد حرص الرئيس عون على دمج البعد السيادي بالبعد المالي معلناً أن الاقتصاد “يتعافى بالأرقام لا بالأوهام”، في دفاع واضح عن مسار الإصلاحات وعن أداء الجهات الحكومية ومصرف لبنان. وهو ربط أراده مباشراً بين استعادة الدولة لسيادتها واستعادة قدرتها على إدارة اقتصاد مستقر في بلد أثقلته الأزمات والانهيارات.
واختتم الخطاب بإشارة ذات أبعاد سياسية وروحية في آ عبر التوقف عند استقبال البابا لاوون الرابع عشر تحت عنوان “طوبى لفاعلي السلام”. فهذه الإشارة لم تكن تفصيلاً بروتوكولياً، بقدر ما أراد منها الرئيس التأكيد أن لبنان يريد أن يكون جزءاً من مسار السلام العادل في المنطقة وأنه شريك في مرحلة الاستقرار المقبلة لا متلقّياً لها.
