تطرقت المحادثات بين الرئيس دونالد ترمب والامير محمد بن سلمان في واشنطن الموسعة بين الجانبين إلى تعميق الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، حيث أكدت المملكة عزمها ضخ استثمارات تصل إلى 600 مليار دولار في السوق الأميركية، في مجالات تشمل الدفاع وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، مع إمكانية أن ترتفع هذه الاستثمارات إلى تريليون دولار في الأعوام المقبلة. وفي السياق ذاته، أعلن ترمب موافقته على بيع مقاتلات «إف-35» إلى السعودية، مشيداً بعلاقتها الاستراتيجية مع واشنطن
“مصدر دبلوماسي”
وكالات
استقبلت العاصمة الأميركية واشنطن امس الثلاثاء ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، في زيارة رسمية جاءت بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، واستجابة لدعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وقد عكست مراسم الاستقبال التي أقيمت في البيت الأبيض مستوى التقدير الاستثنائي للضيف السعودي، إذ حضر ترمب شخصياً لاستقباله في الحديقة الجنوبية، قبل أن تبدأ عروض جوية نفذتها مقاتلات «إف-16» و«إف-35»، تبعتها مراسم بروتوكولية عند الرواق الجنوبي، في مشهد لم يُسجَّل لأي مسؤول أجنبي منذ بداية الولاية الثانية للرئيس الأميركي.
وخلال الجولة التي اصطحب فيها ترمب ولي العهد داخل البيت الأبيض، عبّر الرئيس الأميركي عن تقديره العميق لزيارة الأمير محمد بن سلمان، واصفاً إياها بأنها «شرف كبير»، ومؤكداً الاحترام الذي يكنه للمملكة وقيادتها. كما أشاد بالتحولات التي تشهدها السعودية بقيادة ولي العهد، معتبراً ما تحقق «مذهلاً»، ومؤكداً متانة الثقة المتبادلة بين البلدين. أما الأمير محمد بن سلمان، فأكد من جانبه أن العلاقة السعودية – الأميركية لا يمكن استبدالها، سواء بالنسبة للمملكة أو للولايات المتحدة، مشيراً إلى أنها علاقة حاسمة في الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية، وأنها بنيت على إرث من التعاون الممتد منذ نحو تسعين عاماً.
وتطرقت المحادثات الموسعة بين الجانبين إلى تعميق الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، حيث أكدت المملكة عزمها ضخ استثمارات تصل إلى 600 مليار دولار في السوق الأميركية، في مجالات تشمل الدفاع وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، مع إمكانية أن ترتفع هذه الاستثمارات إلى تريليون دولار في الأعوام المقبلة. وفي السياق ذاته، أعلن ترمب موافقته على بيع مقاتلات «إف-35» إلى السعودية، مشيداً بعلاقتها الاستراتيجية مع واشنطن، ومؤكداً أن المملكة «تستحق أفضل الطرازات». ولم يستبعد الرئيس الأميركي التوصل إلى اتفاق تعاون نووي مدني مع الرياض، وهو ما تزامن مع مصادقة الجانبين على إعلان مشترك يؤسس لإطار قانوني للتعاون النووي بما يتوافق مع قواعد عدم الانتشار.
وتناول الجانبان آفاق التعاون المتقدم في مجال الذكاء الاصطناعي والرقائق، حيث أوضح ولي العهد أن السعودية تستعد لإنفاق نحو 50 مليار دولار في المدى القصير لتلبية الطلب المتزايد على قدرات الحوسبة المتقدمة، مؤكداً أن الفرص المشتركة في هذا القطاع «حقيقية وليست مصطنعة». وبدوره، أكد ترمب أن العمل جارٍ لتسهيل تصدير التقنيات المتقدمة إلى المملكة، فيما أوضح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن المباحثات تشمل آلية تنظيم هذا التعاون ضمن إطار استراتيجي أوسع.
وفي ملف سوريا، كشف الرئيس الأميركي أن الأمير محمد بن سلمان طلب منه صراحة النظر في رفع العقوبات عن دمشق «لإتاحة المجال أمام عودتها إلى النهوض»، مشيداً بالتقدم الذي تحقق بعد لقاء جمعه قبل أيام بالرئيس السوري أحمد الشرع. أما في مسار السلام، فقد أكد ولي العهد تمسك المملكة الواضح بحل الدولتين، وحرصها على توفير الظروف الملائمة لسلام عادل للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، وهو ما رحب به ترمب الذي أشار إلى مناقشة سبل توسيع «اتفاقات إبراهيم» خلال المحادثات.
كما تطرق النقاش إلى الملف الإيراني، حيث أكد ولي العهد أن الرياض تبذل كل جهد ممكن للمساعدة في التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران يراعي مصالح المنطقة والعالم، بينما اعتبر ترمب أن الإيرانيين «يرغبون بشدة في اتفاق»، مؤكداً أن قنوات التواصل قد فُتحت بالفعل.
وفي خطوة سياسية تحمل دلالاتها، أعلن ترمب خلال الزيارة تصنيف المملكة العربية السعودية «حليفاً رئيسياً من خارج الناتو»، لتنضم إلى مجموعة محدودة من الدول التي تتمتع بهذه المكانة الاستراتيجية. ويوفر هذا التصنيف إطاراً قانونياً يعزز التعاون العسكري والتقني والاستخباراتي بين الطرفين، ويثبّت ما كانت تتمتع به الرياض فعلياً من امتيازات خلال العقود الماضية.
وجاءت ذروة اليوم الدبلوماسي بتوقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجية بين السعودية والولايات المتحدة، التي وقعها الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي في البيت الأبيض. وتؤسس هذه الاتفاقية لشراكة دفاعية طويلة المدى تضمن تعزيز الجاهزية والتكامل بين القوات المسلحة في البلدين، وترسّخ التزامهما المشترك بدعم الأمن والاستقرار الإقليميين. كما شهدت الزيارة توقيع اتفاقات في مجال الطاقة النووية السلمية، بما يعكس توسع الشراكة الثنائية نحو مجالات جديدة ذات طابع استراتيجي.
واختُتمت الزيارة الرسمية بمأدبة عشاء فاخرة أقامها الرئيس الأميركي على شرف ولي العهد، بحضور شخصيات بارزة من عالم الرياضة والاقتصاد والتكنولوجيا، من بينهم نجم كرة القدم البرتغالي كريستيانو رونالدو والملياردير إيلون ماسك، إضافة إلى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو. وأشاد ترمب خلال العشاء بعلاقته المتينة مع رونالدو، كاشفاً أن نجله بارون «من أشد المعجبين به»، في مشهد عكس الطابع الاحتفائي الذي أرادت الإدارة الأميركية إظهاره لهذه الزيارة.
