ولكن شجاعة عون ظهرت في أنه قرّر تعريتهم علناً أمام الرأي العام اللبناني وربما الدولي أيضاً بعدما بلغ الضرر الذي يلحقه هؤلاء بمصالح لبنان حدّ التأثير على مقاربات بعض العواصم لملفّات حسّاسة، نتيجة ما ينقلونه من روايات مجتزأة أو مضلّلة عن الواقع اللبناني، و دأ خطابهم ينعكس سلباً على ثقة المؤسسات الدولية بقدرة لبنان على التعافي ما أدى عملياً إلى إبطاء برامج المساعدات وإحجام المستثمرين عن الدخول إلى السوق اللبنانية.
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
في ذروة التجاذبات السياسية الراهنة في لبنان اختار رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن يخاطب وفد نقابة محرري الصحافة اللبنانية برئاسة النقيب جوزف القصيفي بلغة المصارحة لا المجاملة، واضعاً إصبعه على واحدة من أخطر الظواهر التي تستنزف لبنان في ظل اشتداد الأزمات: ظاهرة “بخّ السم” في الخارج والاضرار بسمعة لبنان دوليا.
لم يكن كلام الرئيس مفاجئاً في جوهره إذ يعرف اللبنانيون أن هناك من يسيئون إلى بلدهم في العواصم الأجنبية ويروجون الافتراءات، ولكن شجاعة عون ظهرت في أنه قرّر تعريتهم علناً أمام الرأي العام اللبناني وربما الدولي أيضاً بعدما بلغ الضرر الذي يلحقه هؤلاء بمصالح لبنان حدّ التأثير على مقاربات بعض العواصم لملفّات حسّاسة، نتيجة ما ينقلونه من روايات مجتزأة أو مضلّلة عن الواقع اللبناني، و دأ خطابهم ينعكس سلباً على ثقة المؤسسات الدولية بقدرة لبنان على التعافي ما أدى عملياً إلى إبطاء برامج المساعدات وإحجام المستثمرين عن الدخول إلى السوق اللبنانية.
تحدث عون أمام اهل الصحافة والاعلام بمرارة عن فئة من اللبنانيين تتنقّل بين المحاور وعواصم النفوذ، تمارس الوظيفة نفسها منذ سنوات: التحريض وتشويه السمعة خدمة لمصالح آنية، لا علاقة لها بوجع الناس ولا بمصلحة الدولة.
وقال بصراحة لافتة إن بعض هؤلاء يقصدون الولايات المتحدة ليس لنقل الحقيقة، بل ليقولوا للمسؤولين الأميركيين ما يحبون أن يسمعوه. وقد ذهب أبعد من ذلك حين كشف أنه بات يتلقّى من الأميركيين أنفسهم نفيًا لمزاعم يطلقها لبنانيون ضد بلدهم، في مؤشر واضح إلى أن تلك العواصم لا تحترم مروّجي الافتراءات بقدر ما تحترم الدولة اللبنانية ورئيسها الذي يصرّ على اعتماد الشفافية نهجاً في كل الملفات.
هذا الموقف، الذي لم يخلُ من الجرأة والمباشرة، أثار حفيظة البعض الذين سارعوا إلى الهجوم على عون، لا لشيء إلا لأنه سمى الاشياء بأسمائها من حيث الجهات التي تبثّ الخطاب التحريضي في الخارج.
لكن عون بدا غير معني بالاعتراضات، مؤكداً أن اللبنانيين يدركون هوية من يعمل ضد مصلحة بلده، وأن سلوكه الوطني لا يمكن أن يشوّشه ضجيج المزايدات. فالرئيس عون، كما شدّد، ليس منحازاً إلى أي محور داخلي، بل ماضٍ في قناعته بأنه رئيس كل لبنان، وأن موقعه يفرض عليه التفكير بمصلحة البلاد قبل أي حساب حزبي أو فئوي، وهو ما يترجمه بتبنّي خيار التفاوض كمسار وحيد لمنع الحرب وإنقاذ ما تبقّى من استقرار.
في خلال اللقاء، أبدى عون عتباً واسعاً على من يوقظون العصبيات ويشدّون عصب الشارع في سنة انتخابية حساسة، محذراً من أن اللعب بالغرائز قد يدفع لبنان إلى الخراب. ولفت إلى وجود مؤشرات إيجابية كثيرة، لا يريد البعض رؤيتها، وأن البلاد رغم جروحها قادرة على النهوض كما أثبت الصيف الماضي مع دخول أكثر من مليون وثمانمئة ألف زائر. وأعرب عن أمله الكبير بالزيارتين المرتقبتين للبابا لاوون الرابع عشر وشيخ الأزهر الإمام أحمد الطيّب [بالرغم من عدم تحديد موعد للزيارة الاخيرة بعد]، معتبراً أنهما دليل على أن لبنان لم يُترك، وأن العالم لا يزال يعترف بدوره ورسالته.
وفي موازاة تشخيصه للعلل السياسية، قدّم رئيس الجمهورية قراءة واضحة للملفات اليومية. فقد أكد أن الحكومة، فور نيلها الثقة، ستشكّل لجنة للتواصل مع الجانب السوري حول ملف النازحين، فيما يتابع الأمن العام موضوع الموقوفين السوريين لتسريع المعالجات داخل السجون.
أما في الشق الأمني، فأشاد بالجيش اللبناني الذي يتحمّل العبء الأكبر عن البلاد، رافضاً أي محاولة للنيل منه، ومطمئناً إلى أنه لا خوف من فتنة طائفية أو من انقسام في صفوف المؤسسة العسكرية التي قدّم شهداؤها من كل المناطق والطوائف، في ما يشكل أقوى ردّ على محاولات التشكيك.
ولم تغب رسالة الإعلام عن كلام الرئيس عون، إذ ذكّر بأن الحرية ليست فوضى، وأن “الرصاصة الخطأ تقتل شخصاً، أمّا الكلمة الخطأ فتقتل أمة”. شدّد على أهمية الموضوعية في العمل الصحافي، محذّراً من الأخبار المضلّلة التي تُلحق الضرر بالإعلام نفسه وتصل أحياناً إلى حدود الإساءة الأخلاقية.
بهذا الخطاب، بدا جوزاف عون كأنه افتتح مرحلة جديدة من الصراحة السياسية، مرحلة لا تحتمل التجميل ولا الإنكار. لقد سمّى من ينفخون السموم وحدّد مكامن الخلل ورسم ملامح الطريق الذي يعتقد أنه ينقذ لبنان من دوامة التحريض والانقسام.
