السفير البلجيكي في لبنان أرناوت باولوس ملقيا كلمته بمناسبة عيد الملك
مصدر دبلوماسي
كتبت مارلين خليفة
استضافت سفارة بلجيكا في لبنان حفلاً دافئاً ورفيعاً في مقر إقامة السفير أرناوت باولوس بمناسبة عيد الملك في بلجيكا، وذلك بدعوة مشتركة من السفير باولوس والملحق العسكري البلجيكي الكولونيل دي مانون. وقد أضاءت الأمسية على غنى الثقافة البلجيكية وحضورها الدبلوماسي وانخراطها المتزايد في احتياجات لبنان الاجتماعية والإنسانية.

السفير باولوس يضع الإطار: دبلوماسية وامتنان وتركيز على الصحة العقلية
استُهلّ الحفل بعزف النشيدين الوطنيين البلجيكي واللبناني، في لحظة دفعَت السفير باولوس إلى القول مبتسماً: “لقد فاز اللبنانيون بمسابقة الانشاد.” وأوضح أنّ الاستقبال هذا العام جاء مقصوداً أن يكون حميما يتمحور حول البلجيكيين والعسكريين مع الترحيب أيضاً بالدبلوماسيين “المرتبطين بحدث اليوم”.
وتقدّم السفير بعبارات شكر صادقة لفريق عمله، مثنياً على جهود مديرة مكتبه آمال، ثم شربل الذي تولّى العناية بالحديقة والمنزل طوال 35 عاماً.
كما أشاد بقيادة “نادي الأعمال البلجيكي في لبنان” (BBCL)، مهنّئاً رئيسته مارتين، وواصفاً النادي وأعضاءه بأنهم “أساسيون في بناء الجسور بين بلجيكا ولبنان”، بما في ذلك من خلال دعمهم الثقافي.

وسلّط السفير باولوس الضوء على حضور طلاب مدرسة علي هاشمي للمعجنات، وهي مبادرة اجتماعية للشركة اللبنانية-البلجيكية “بانو بوراتوس”. وأشار إلى أن الحلويات التي أعدّها هؤلاء الطلاب تعكس برنامجاً لافتاً يساند الشباب من الفئات الاجتماعية الأقل حظاً ويؤهّلهم مهنياً.
واستعاد السفير ذكرى حفل العام الماضي الذي أقيم خلال فترة من القصف العنيف، واصفاً إياه بأنه فعل مقاومة وصمود:
“يجب أن تستمر الحياة”، قال. لكنه لفت إلى أنّ وقف إطلاق النار الذي تلا ذلك “كان وقف إطلاق نار أحادي الجانب. لذا ما زالت أعمال العنف مستمرة. وهذا أمر يجب معالجته مجدداً.”
ثم انتقل إلى محور أساسي في السياسة الإنسانية البلجيكية الراهنة: الصحة العقلية في لبنان. فمع إشادته بقدرة اللبنانيين على الصمود على مدى أكثر من خمسين عاماً من عدم الاستقرار، فقد نبّه إلى أنّ خلف هذه القوة تكمن أزمة متنامية في الصحة العقلية، تغذيها الضغوط والتوتر والأزمات الاقتصادية والوصمة الاجتماعية.

وفي هذا السياق، شدّد على دور الملكة ماتيلد قائلاً:
“إنها مهتمة بشكل خاص بالصحة العقلية وبكل مواطن الضعف في المجتمع.”
وذكّر بأنّ الملكة ماتيلد هي مناصرة لأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ولا سيما تلك المتعلقة بالرفاه العقلي لدى الفئات الأكثر هشاشة.
كما أظهر المسح الأخير لليونيسف حجم الاحتياجات في مجال الصحة العقلية، ما دفع بلجيكا إلى تعزيز تعاونها مع منظمة الصحة العالمية (WHO) وصندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) واليونيسف، رغم عدم تمكن الأخيرة من الحضور.
وأولى السفير اهتماماً خاصاً بـ مستشفى الصليب للأمراض النفسية، الذي يضم مدرسة ودوراً للمسنين، ويُعدّ واحداً من أكبر المستشفيات النفسية في الشرق الأوسط. وأشاد بالطواقم من ممرضين وأطباء وعلمانيين ورهبان، الذين يعمل العديد منهم منذ خمس أو ست سنوات “من دون أي دعم من الدولة، أو بدعم ضئيل ومتأخر جداً”.

وتحدثت راهبة تمثل المؤسسة بمحبة عن رسالتهم فقالت:
“المرضى هم بركات لنا… إنهم نعمٌ علينا.”
واختتمت بالقول إنهم يأملون في استحقاق “الزيارة المقبلة للبابا”، التي اعتبرتها “معجزتهم”.
ودعا السفير الحضور إلى تقديم تبرعات عند المغادرة، مستذكراً النجاح الرمزي لجمع التبرعات لصالح الصليب الأحمر العام الماضي.
واختتم كلمته قائلاً:
“أود أيضاً أن أقوم قليلاً بالإعلان عن البيرة البلجيكية”، مشيراً إلى التشكيلة الواسعة منها—القوية والعادية والخالية من الكحول. ودُعي الضيوف إلى رفع كؤوسهم استعداداً للنخب.
البصمة البلجيكية في الضيافة: طبق “كاربوناد فلاماند” في قلب الأمسية
تميّز الحفل بتشكيلة راقية من الأطباق البلجيكية، كان أبرزها طبق “كاربوناد فلاماند”، وهو حساء بلجيكي فلمنكي تقليدي يعدّ من أشهر أطباق البلاد.
ويجسد هذا الطبق جوهر المطبخ البلجيكي من خلال:
- لحم بقر مطهو ببطء لساعات حتى يصبح طرياً؛
- بصل يضفي حلاوة وعمقاً؛
- مزيج من الأعشاب مثل الزعتر وورق الغار والقرنفل؛
- وأهم ما يميّزه الجعة البلجيكية الداكنة التي تمنح الطبق غنى “مالتياً” ونكهة مرّة خفيفة متوازنة مع السكر الأسمر أو طبقة رقيقة من الخردل.
ويُقدَّم الطبق تقليدياً مع البطاطا المقلية البلجيكية أو خبز ريفي، ليجسد دفء المطبخ البلجيكي وكرمه وهويته. وقد استمتع الضيوف بهذا الطبق كأحد محاور التجربة gastronomic للأمسية، إلى جانب تشكيلة واسعة من البيرة البلجيكية.
الكولونيل دي مانون يشرح دلالة عيد الملك

بعد كلمة السفير، أخذ الملحق العسكري الكولونيل دي مانون الكلمة لشرح المعنى التاريخي والرمزي لعيد الملك. وخاطب السفراء وممثلي الجيش اللبناني—ومن بينهم اللواء خوري—والحضور الدبلوماسي والعسكري، مقدّماً عرضاً شاملاً وجذاباً.
استهل حديثه بنبرة فكاهية قائلاً إن بلجيكا تحتفل بالمناسبة قبل يومين من موعدها، مضيفاً: “ربما يمكننا أن نُبقي الحفلة مستمرة لثلاثة أيام.”
وأوضح أنّ بلجيكا، كعديد من الملكيات، لا تحتفل بعيد ميلاد الملك، بل تعتمد عيد القديس ليوبولد وهو يوم يكرّم الملوك ليوبولد الأول والثاني والثالث في آن واحد فيحلّ بذلك “تسوية بلجيكية” تتجنب تعقيدات اختيار تاريخ ميلاد ملك بعينه.
ولكن الأهم، كما قال، هو أن عيد الملك مناسبة لتكريم مؤسسة الملكية نفسها:
- باعتبارها ركناً من أركان الاستمرارية،
- ورمزاً للحياد،
- وضمانة للاستقرار الدستوري.
وأضاف: “في بلجيكا، نحن نحتاج أحياناً إلى هذا الاستقرار.”
وتابع موضحاً أن الملك يشكل شخصية جامعة تتخطى الانقسامات السياسية واللغوية والثقافية:
“عيد الملك هو لحظة للتفكير بما يجمعنا. فرغم اختلافاتنا اللغوية والثقافية… نحن أمة واحدة، موحدة بقيم مشتركة.”
وأشار إلى أن بلداناً كثيرة قد تستفيد من هذا النوع من الرموز الجامعة.
أما بالنسبة للعسكريين البلجيكيين، فيمثّل عيد الملك مناسبة سنوية لتجديد قسم الولاء للملك. ودعا الكولونيل الحضور إلى مشاركته النخب التقليدي.

“يعيش الملك“
رفع الحاضرون كؤوسهم في أرجاء قاعة الاستقبال.
“يعيش الملك!”
“يعيش الملك!” ردّد الضيوف بصوت واحد.
ثم دعا السفير باولوس الجميع إلى الاستمتاع بالبوفيه—ولا سيما البيرة البلجيكية—في ختامٍ وديّ جمع بين الدبلوماسية والثقافة والتاريخ والتضامن.
