“فلسطين أمام منعطف تاريخي: قراءات في واقعٍ جديد”
“مصدر دبلوماسي”
افتتحت مؤسسة الدراسات الفلسطينية مؤتمرها السنوي في جامعة القديس يوسف في بيروت في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2025، بالشراكة مع جامعة جورجتاون وجامعة بيرزيت ومؤسسة التعاون والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي. يمتد المؤتمر على مدى ثلاثة أيام، تُعقد جلساته تباعاً في بيروت ورام الله وواشنطن، بمشاركة نخبة من الباحثين والمفكرين من مؤسسات أكاديمية وفكرية متعددة، لبحث تطورات القضية الفلسطينية في ظل الحرب والإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
استُهل المؤتمر بكلمة لمدير مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت رامي الريس، الذي ركّز على جهود المؤسسة في توثيق الحرب الإسرائيلية على غزة منذ أيامها الأولى، من خلال منصات توثيقية متخصصة وكتب ومطبوعات مترجمة تتناول إسرائيل من الداخل. ووصف الحرب الراهنة بأنها الأقسى والأكثر وحشية في تاريخ الشعب الفلسطيني، مشيراً إلى أنها تهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، وتجويعهم، وتحويل غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة.
من جهته، رحّب رئيس جامعة القديس يوسف البروفسور سليم دكاش اليسوعي بالمشاركين والحضور، مؤكداً أن القضية الفلسطينية ليست نزاعاً عادياً، بل قضية أخلاقية وإنسانية تمتد جذورها لأكثر من سبعة عقود. ودان الفظائع المرتكبة بحق المدنيين في غزة، مشدداً على أن الصمت عنها يُعدّ شكلاً من أشكال التواطؤ، وأن الدفاع عن الفلسطينيين هو دفاع عن العدالة وكرامة الإنسان.
وألقى مدير عام مؤسسة التعاون الدكتور طارق امطيرة كلمته عبر الإنترنت، مؤكداً فيها على دور مؤسسة الدراسات الفلسطينية وحرصها الدائم على بناء فضاءات فكرية حرة تمكّن من النقد والمراجعة واستكشاف سبل جديدة لفهم الحاضر الفلسطيني وإعادة صياغة المستقبل. وشدد على اعتزاز مؤسسة التعاون بشراكتها الاستراتيجية مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية “التي تجمع بين العمل التنموي من جهة، والعمل البحثي والمعرفي من جهة أُخرى”، معتبراً أن هذا التكامل “ضروري، بل وجودي، إذا أردنا أن نكون فاعلين ونطور أدواتنا لمواجهة تحديات الواقع المتغير، حتى فيما يبدو بديهياً وعملياتياً، كتدخلاتنا في الإغاثة الإنسانية.”
وإلى جانب كلمته الافتتاحية كشريك في المؤتمر، قدم امطيرة محاضرة رئيسية تناول فيها البعد الإنساني للحرب الراهنة، واصفاً ما يجري بأنه مشروع إبادة ممنهج يستهدف الفرد والجماعة الفلسطينيين كوحدة وجودية. وأوضح أن مؤسسة التعاون تدير اليوم أكبر برنامج لرعاية أيتام الحرب في التاريخ الحديث، هو برنامج “نور” في غزة، مشيراً إلى وجود أكثر من 40 ألف يتيم منذ 7 أكتوبر، بينهم نحو ألف فقدوا جميع أفراد عائلاتهم. وأضاف أن من بين 170 ألف مصاب حرب، هناك أكثر من 41 ألف شخص سيعيشون بإعاقات جسدية أو ذهنية طويلة الأمد، بينهم 6 آلاف مبتور أطراف، و25% منهم أطفال.
أدارت الجلسة الثانية أستاذة الفلسفة في الجامعة الأميركية في بيروت بانة بشور، واستُهلّت بمحاضرة لوزير الخارجية اللبناني الأسبق الدكتور ناصيف حتي، الذي رأى أن المنطقة تشهد تحولاً أساسياً يتمثل في تطبيع تدريجي للعلاقات العربية – التركية والعربية – الإيرانية، معتبراً أن هذا التطبيع يهدف إلى إدارة الخلافات واحتوائها تمهيداً لتعامل أكثر استقراراً بين القوى الإقليمية.
وأشار إلى أن عملية “طوفان الأقصى” أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمامين الإقليمي والدولي، متهماً إسرائيل باتباع سياسة الهدن الموقتة وشراء الوقت لمواصلة التهويد الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية، وسط ازدواجية المعايير الغربية حيال ما يجري في فلسطين.
تحدث بعده الصحافي اللبناني وليد نويهض، الذي تناول التطورات الإقليمية بعد وقف إطلاق النار في لبنان، معتبراً أن ما شهدته المنطقة من انقلابات سياسية وأمنية غيّر المعادلات القديمة المستقرة منذ منتصف السبعينيات. وأوضح أن لبنان يعيش في قلب عملية إعادة تشكيل المشرق العربي، وأن ما يجري في المنطقة يرسم مستقبله، إذ “لا يملك قرار الحرب أو السلم، ولا قدرة له على الخروج من جغرافيته السياسية المحكومة بمشاريع القوى الكبرى”. وعرض نويهض مجموعة سيناريوهات محتملة لتطورات المنطقة وانعكاسها على لبنان الذي وصفه بأنه “خاسر في جميع الاحتمالات”.
أمّا الأكاديمي السوري الدكتور سمير العيطة، فتساءل إن كانت المنطقة تمر فعلاً بانعطافة تاريخية مكتملة، أم ما زالت في مرحلة تحول غير واضحة الوجهة. ورأى أن فهم اللحظة الراهنة يتطلب إدراكاً لطبيعة ما يحدث في فلسطين وسورية ولبنان، إذ ترتبط الأوضاع فيها ارتباطاً وثيقاً، مشيراً إلى أن ما جرى في غزة منذ أكتوبر 2023 فتح طوراً جديداً من التحولات.
ورأى العيطة أن سورية بعد 14 عاماً من الحرب ما زالت غارقة في تداعيات الحرب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ووصف الوضع فيها بأنه سوريالي، موضحاً أن إسرائيل والولايات المتحدة تسعيان إلى إدارة الإنهاك السوري لا حله، وأن هدف إسرائيل ليس الاحتلال المباشر بل الاستنزاف الديموغرافي والاقتصادي في سورية ولبنان. وفي سياق الحديث عن التطبيع، عبّر عن قلقه من انتشار ذهنية التطبيع داخل المجتمع السوري نتيجة الإحباط واليأس، واعتبرها أخطر نتائج الحرب. واختتم بالتأكيد أن فلسطين ليست قضية إنسانية فحسب، بل قضية هوية لسورية وبلاد الشام كلها، وأن فقدان الارتباط بفلسطين يعني ضياع الهوية.
أدار الجلسة الثالثة رئيس قسم التاريخ والعلاقات الدولية في الجامعة اليسوعية الدكتور كريستيان توتل. واستهلها الصحافي والباحث المتخصص بشؤون الشرق الأوسط علي هاشم بمحاضرة بعنوان “مأزق إيران بين ثورة وفخ التفاعل ما بعد السابع من أكتوبر”. قدم هاشم عرضاً تاريخياً لمسار الثورة الإيرانية من “الثورة إلى الدولة”، وصولاً إلى اغتيال قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني في كانون الثاني/يناير 2020، معتبراً أن الاغتيال كان الشرارة التي أدخلت إيران في فخ التفاعل، وهو الفخ الذي بلغ ذروته مع عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023. ورأى أن العملية شكلت نقطة انعطاف استراتيجية في الصراع العربي – الإسرائيلي، لكنها في الوقت نفسه كشفت حدود الاستراتيجية الإيرانية، إذ وجدت طهران نفسها أمام مشهد إقليمي متسارع خارج نطاق سيطرتها، وصل ذروته في صيف 2025 مع الحرب الإسرائيلية الشاملة على إيران، والتي وصفها الاحتلال بـ”عقيدة ضرب رأس الأخطبوط”. وهي تنطلق من اعتبار أن إيران ليست مجرد قوة إقليمية، بل مركز قيادة يتحكم في أذرع متعددة.
بعده قدم الدكتور محمد نور الدين عرضاً حول الدور التركي في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن السياسة الخارجية التركية قامت منذ الحرب العالمية الثانية على ثلاثة ثوابت رئيسية: التحالف مع الولايات المتحدة، والعلاقات الوثيقة مع إسرائيل، والانتماء إلى حلف شمال الأطلسي، وهي ثوابت لم تتبدل على الرغم من تغير الحكومات في أنقرة. ورأى أن هذا التمدد جعل تركيا وإسرائيل تؤديان دور “كماشة” على المنطقة بإدارة أميركية، لافتاً إلى أن موقف أنقرة من حرب غزة كان سلبياً.
أمّا الدكتور حازم نهار، فتناول مسارات التطبيع في المنطقة والوضع السوري بعد سقوط نظام الأسد، مؤكداً أن القضية الفلسطينية تبقى مركزية على الرغم من محاولات الأنظمة المستبدة تفريغها من مضمونها، معتبراً أن شعارَي “لبنان أولاً” و”سورية أولاً” وهميّان لأن مصير دول المنطقة مترابط.
وفيما يخص المسار السوري – الإسرائيلي، عرض ثلاثة سيناريوهات محتملة:
- اتفاق تطبيع كامل، وهو مستبعد لأنه يعني عملياً التخلي عن الجولان ويفجر الداخل السوري.
- فشل المفاوضات بسبب انعدام الثقة وشروط إسرائيل القاسية.
- اتفاق أمني محدود أو خفض للتصعيد في الجنوب السوري برعاية أميركية، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً.
وقدمت رندة حيدر، مسؤولة نشرة “مختارات من الصحف العبرية” في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، عرضاً حول التحولات الداخلية في إسرائيل بعد حرب غزة، معتبرة أن هجوم 7 أكتوبر شكل أكبر صدمة وأخطر إخفاق استخباراتي وعسكري في تاريخ إسرائيل، إذ كشف هشاشة المنظومة الأمنية والسياسية وأحدث انقساماً عميقاً في المجتمع الإسرائيلي.
وأشارت إلى أن الحرب التي تلت الهجوم أفرزت تصدعات داخلية واسعة تمثلت فيما يلي:
- ظهور حركة “أعيدوا المخطوفين الآن” التي طالبت بإطلاق الأسرى ووقف الحرب، لكنها فشلت في التحول إلى حركة مناهضة للحرب أو التأثير في قرار الحكومة.
- تصاعد التوتر بين العلمانيين والمتدينين بسبب إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، ما أثار غضب الفئات التي تتحمل عبء القتال.
- خلافات حادة بين المستوى السياسي والعسكري حول المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر، في ظل رفض بنيامين نتنياهو تحمّل المسؤولية أو تشكيل لجنة تحقيق رسمية.
وختمت بالقول إن مصير نتنياهو السياسي سيتحدد بعد انتهاء حرب غزة، تبعاً لنتائجها ومدى قدرته على البقاء في الحكم أو سقوطه تحت ضغط الانقسامات الداخلية.
وفي كلمة رئيسية من ضمن أعمال المؤتمر، قدم أستاذ الفلسفة في جامعة نيويورك ورئيس لجنة الأبحاث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية الدكتور محمد علي الخالدي محاضرة بعنوان “صناعة الجهل حول قضية فلسطين”. أوضح فيها أن هناك جهداً منسقاً ومتصاعداً لفرض الجهل وقمع المعرفة المتعلقة بفلسطين في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الغربية، معتبراً أن هذا الجهل مصنوع ومتعمد لخدمة أغراض سياسية. وبيّن أن المقصود بالجهل ليس غياب المعرفة، بل اختيار متعمد لعدم معرفة ما يجب معرفته، مستنداً إلى مفهوم الفيلسوف تشارلز ميلز حول “الجهل الأبيض” الذي يخدم مشاريع السيطرة الكولونيالية. وأشار إلى أن العقود الأخيرة شهدت تحولاً جوهرياً في الرأي العام الغربي تجاه فلسطين، وخصوصاً بين الشباب والجامعيين، ما أدى إلى تصاعد الدعم الشعبي للحقوق الفلسطينية.
وعزا هذا التحول إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
- تزايد التضامن مع القضايا التحررية والتقدمية، مثل مناهضة العنصرية، والنسوية، وحقوق الأقليات.
- دور وسائل التواصل الاجتماعي وصحافة المواطن في كشف الانتهاكات الإسرائيلية وكسر احتكار الرواية الرسمية.
- التحول في البحث الأكاديمي الغربي الذي بات ينظر إلى الصهيونية كمشروع استعماري استيطاني ويعيد الاعتبار إلى الرواية الفلسطينية.
وختم الخالدي بالدعوة إلى مقاومة قمع المعرفة من خلال الدفاع عن الحرية الأكاديمية، والمشاركة النشطة في النقاش العام عبر الإعلام البديل، وبناء تحالفات معرفية عابرة للتخصصات تربط فلسطين بقضايا عالمية أُخرى مثل العدالة المناخية ومناهضة التمييز.
وأكد أن النضال من أجل العدالة في فلسطين هو جزء من نضال عالمي أوسع ضد الفاشية وقمع المعرفة، مشدداً على أن مقاومة صناعة الجهل تتطلب تضامناً بين جميع الحركات التحررية.