السفيران وليد البخاري ومجتبى أماني في العيد الوطني السعودي الـ95 في بيروت
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
يعيش المشهد اللبناني ـــ الإقليمي ملامح انفتاح جديدة من طرف حزب الله في اتجاه المملكة العربية السعودية في لحظة سياسية معقدة تتقاطع فيها التطورات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية.
وبرز خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الذي اعلن استعداد الحزب للحوار مع الجميع، حتى مع من يصنَّفون خصوماً داخليين أو يعتبرونه عدواً سياسياً. هذا السقف المرتفع من الانفتاح، الذي جاء في ضوء الجدل اللبناني حول إضاءة “صخرة الروشة” اليوم الخميس بصور السيدين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين أرسل إشارة واضحة بأن الحزب يضع الحوار في مرتبة الأولوية باعتباره مدخلاً لتخفيف التوترات الداخلية ومواجهة التحديات الخارجية، في وقت لم يتم بعد تلقف هذه الدعوة من الاطراف الداخليين بحسب ما يتظهر من مواقف حول موضوع احياء الذكرى السنوية الاولى لاستشهاد السيدين.
بالنسبة الى المقاربة الجديدة تجاه العلاقة مع المملكة العربية السعودية فهي “لا تقوم بالضرورة على التوافق الكامل بل على قناعة مشتركة بأن اللحظة الراهنة تتطلب تكاتف الجهود لمواجهة المشروع الإسرائيلي–الأميركي في المنطقة وخصوصاً في ظل شعور عربي متزايد بالعجز كما ظهر في القمة العربية الإسلامية في الدوحة وتنامي القناعة بأن الانقسام يخدم العدو فيما الوحدة الداخلية والإقليمية تبقى صمام الأمان”، بحسب مصدر واسع الاطلاع على مناخ حزب الله تحدث الى موقع “مصدر دبلوماسي”.
هذا السقف المرتفع في الدعوة إلى الحوار يعبّر عن إرادة سياسية لتجاوز خطوط التباين التقليدية. إذ أن الشيخ نعيم قاسم وضع الحزب في موقع الاستعداد للحوار مع الجميع في ظل انقسام لبناني عبّرت عنه حتى رمزية صورة “صخرة الروشة” التي تثير جدلاً واسعاً من حيث اضاءتها بصور السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا الانفتاح عن المشهد الإقليمي الأوسع. فإحياء السفير السعودي وليد البخاري أمس الاول للعيد الوطني السعودي الخامس والتسعين في بيروت بحضور مختلف الأطياف اللبنانية ومن بينهم السفير الإيراني مجتبى أماني، عكس استمرار المناخ الذي أنتجته المصالحة السعودية – الإيرانية في بكين العام 2023 وما تبعها من زيارات متبادلة وتطور نوعي في العلاقات الثنائية. هذه المصالحة تشكّل الأرضية الموضوعية لأي مسار حواري بين حزب الله والرياض.
في هذا السياق أكد مصدر واسع الاطلاع على المناخ الايراني قيام ايران بمبادرة مع السعودية لتخفيف التوترات على الساحة اللبنانية، وهو ما سيتظهر قريبا عبر وسائل الاعلام بحسب المصدر المذكور الذي تحدث الى موقعنا.
لكن التحديات تبقى كبيرة. إذ أن الحكومة اللبنانية نفسها اصطدمت في جلسة 5 آب الماضي بملف “حصرية السلاح”، حيث كان مطروحاً وضع خطة زمنية بأربعة أشهر. غير أن حزب الله كان حاسماً في رفض أي مقاربة تمسّ بسلاحه، مؤكداً أن أي محاولة لطرحه للنقاش ستؤدي إلى أزمة. وقد أدّت حكمة قيادة الجيش إلى امتصاص اندفاعة هذا القرار الذي جُمّد عملياً بعد جلسة 7 أيلول بانتظار صيغة أكثر مرونة تتلاءم مع الواقع.
بهذا المعنى، فإن النقاش حول السلاح شكّل اختباراً للداخل اللبناني ودفع الحزب إلى إعادة تظهير مقاربته الإقليمية وفي مقدمها الانفتاح على السعودية.
إلى جانب ذلك، جاءت تطورات إقليمية أكثر خطورة: العدوان الإسرائيلي على الدوحة واستهداف قيادة حماس، وقبله مقتل جنود أتراك في سوريا نتيجة ضرب معدات وأسلحة تكتيكية. “هذه الأحداث أظهرت أن إسرائيل لا تقيم وزناً لا للولايات المتحدة ولا لأي وسيط، وأن مشروعها يقوم على فرض هيمنة مطلقة على المنطقة. هذا السياق عزز قناعة حزب الله بأن وحدة الموقف العربي والإسلامي ضرورة وجودية، وأن الانفتاح على السعودية يخدم هذه الأولوية” بحسب المصادر ذاتها.
ومن هنا، برز النقاش الداخلي داخل الحزب منذ أكثر من ثلاثة أشهر، عبر ورش استراتيجية لتحديد خيارات المرحلة المقبلة. وقد تباينت الآراء بين من دعا إلى الانفتاح الفوري ومن فضّل التريث. إلا أن الرئيس نبيه بري، ومن خلال لقائه مع علي لاريجاني أبلغ بأن ثمة رغبة إيرانية ـــ لبنانية في التفاهم مع الرياض بما يخفف التوتر ويفتح الباب للنقاش مؤكداً ضرورة أن تلعب طهران دوراً أساسياً في ترطيب الأجواء.
القمة العربية الإسلامية في الدوحة بدورها عكست حجم القلق العربي من السياسات الإسرائيلية المدعومة أميركياً، حيث عبّرت دول عديدة عن شعور بالسخط المترافق عن العجز على المواجهة لاسرائيل وطموحاتها، بالرغم من الأموال الطائلة التي تُدفع لواشنطن من دون مقابل حتى على مستوى وقف إطلاق النار في غزة. هذا العجز أسّس بيئة دفعت حزب الله إلى رفع خطاب الانفتاح على السعودية، باعتباره مدخلاً ضرورياً لتوحيد الموقف في الداخل ومواجهة الانقسام الذي يراهن عليه العدو.
ورغم أن أي تواصل مباشر لم يحصل بعد بين “حزب الله” والرياض فإن زيارة الامير يزيد بن فرحان الأخيرة إلى بيروت حملت رسائل إيجابية للطائفة الشيعية ولرئيس مجلس النواب نبيه بري تحديداً ، ونقلت اوساط عليمة بالمناخ السعودي لموقعنا بأنما سمعه الامير يزيد من الحزب سيكون موضع دراسة.
هكذا يتبلور المشهد: حزب الله يفتح باب الحوار مع السعودية على قاعدة مواجهة التحديات الإسرائيلية – الأميركية، فيما الرياض تبعث بإشارات انفتاح مدروسة. وبين المناخ الذي أطلقته المصالحة السعودية – الإيرانية، والتحولات الميدانية الخطرة في الإقليم والعجز العربي في مواجهة تل أبيب تبدو لحظة الانفتاح أكثر من خيار سياسي إنها محاولة لإعادة بناء التوازن الإقليمي على قاعدة الحوار والشراكة.
