عين اسرائيل على الضاحية الجنوبية في الحرب المقبلة
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
وضعت إسرائيل نصب عينيها خيار الحسم الممتد من غزة إلى لبنان. وبحسب معلومات متقاطعة من مصادر على تماس مع المناخ الغربي وتحديدًا الأميركي فإن مرحلة الحسم قد بدأت فعلًا من غزة، لتطال لبنان في المراحل اللاحقة.
وإذا كان لبنان يعيش حتى الآن هدوءًا نسبيًا، رغم الاغتيالات اليومية التي تنفذها إسرائيل في الجنوب، والقصف المستمر الذي يستهدف قرى وبلدات جنوبية ويمنع الأهالي من العودة إلى أكثر من 22 قرية وبلدة، ورغم خرقها الدائم للاتفاق الذي أوقف الحرب في 27 نوفمبر 2024، فإن إسرائيل تصرّ على المضيّ في استراتيجيتها.
فرغم انسحاب حزب الله من منطقة جنوب الليطاني وامتناعه عن الرد على الاستفزازات الإسرائيلية لإعطاء الحكومة اللبنانية فرصة للتحرك دبلوماسيًا وتجنب الانزلاق مجددًا إلى الحرب، تواصل إسرائيل الضغط لتجريد الحزب من سلاحه في إطار استراتيجية أمنية شاملة تهدف إلى إخضاع المنطقة لهيمنتها الكاملة.
آلية تسليم السلاح: بين الداخل والضغوط الخارجية
في 5 أيلول الفائت، أقرت الحكومة اللبنانية، بناءً على اقتراح الجيش آلية لتسليم السلاح من دون تحديد مهلة زمنية. ذلك أن التجارب أظهرت أن أي خطوات تراجع غير مشروط لا تُحرّك الموقف الإسرائيلي. وتشير المعطيات المتقاطعة إلى أن ما يهم إسرائيل والولايات المتحدة ليس السلاح الدفاعي المنتشر في البيئات اللبنانية، بل الترسانة الثقيلة التي يمتلكها حزب الله.
لكن الأمر لا يقف عند حدود السلاح النوعي فحسب بل تسعى إسرائيل أيضًا إلى تفكيك المنظومة الأمنية للحزب من أكبر جهاز أمني وصولًا إلى أصغر “كيوسك” قهوة على الطرق.
جوزاف عون في قلب المفاوضات
تؤكد المصادر أن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون هو الأكثر تفهمًا لخطورة المرحلة. الأميركيون يقودون معه مباشرةً المفاوضات بشأن ملف السلاح، فيما يملك عون قنوات اتصال مباشرة مع مسؤولين في حزب الله.
وعلى العكس، تبقى العلاقة مقطوعة بين الحزب ورئيس الحكومة نواف سلام، الذي يُنظر إليه كسياسي يزايد لاستقطاب الشارع السني وكسب رضى دول خليجية على رأسها المملكة العربية السعودية.
المصادر نفسها تشير إلى أن السعودية، بخلاف ما يروَّج في بعض الإعلام اللبناني حريصة على عدم تعريض الاستقرار الداخلي للاهتزاز. وهي إلى جانب الولايات المتحدة، تسعى إلى تطبيق عملية نزع سلاح حزب الله ضمن سقف دولي لا يمكن تجاوزه من دون التسبب باحتراب داخلي. غير أن الموقف الإسرائيلي يذهب أبعد نحو التشدد والراديكالية ما يجعله متناقضًا حتى مع الحليف الأميركي.
الداخل اللبناني: ضجيج سياسي ومفاوضات فعلية
في الداخل، ترتفع أصوات بعض الأحزاب اللبنانية، وفي مقدمها القوات اللبنانية، مطالبةً بنزع سلاح حزب الله. إلا أن المصادر المطلعة تقلل من أهمية هذه الحملات الإعلامية، معتبرة أن التفاوض الحقيقي يجري بين الرئيس عون والأميركيين بشكل مباشر.
وجلسة الحكومة في 5 أيلول التي وُصفت بأنها “مركبة”، لم تكن سوى محاولة لضبط إيقاع الداخل بعد التوتر الذي بلغ ذروته إثر جلستي 5 و7 آب.
أما ما يقوله حزب الله عن أنه “محشور في الزاوية”، فتصفه المصادر بأنه غير دقيق، مشيرة إلى حرص الأميركيين والرئيس عون على إيجاد مخارج تحفظ ماء وجه الحزب. غير أن المفاوضين باسمه لم يتجاوبوا حتى الآن، لأسباب تبقى غامضة. حتى الموفد الأميركي توم براك أكد في أكثر من تصريح أن هناك إمكانية للتوصل إلى مخرج مطمئن للجميع، بما في ذلك حزب الله.
مخاطر الانسداد: تصعيد إسرائيلي وتهديدات مباشرة
المصادر المتقاطعة ترى أن ما تسميه “عناد حزب الله” يعزز النوايا الإسرائيلية بالتصعيد. فتل أبيب تستعد – وفق هذه الأوساط – للعودة إلى تفجير الوضع اللبناني عبر حرب جديدة، قد تستهدف هذه المرة مؤسسات حيوية للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى، وصولًا إلى المدارس والمستشفيات والمؤسسات الرعائية. وتصف هذه القراءة موقف الحزب بأنه “وصفة جدية للانتحار”.
في الوقت الراهن، يفرض هدوء غزة نفسه على لبنان. لكن بمجرد أن تنهي إسرائيل عمليتها هناك، ستلتفت مجددًا نحو الساحة اللبنانية.
تباينات أميركية – إسرائيلية في ملفات المنطقة
الاختلاف في الرؤى بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا يقتصر على لبنان. ففي غزة، تسعى واشنطن إلى تسوية تحفظ ماء وجه حماس، بينما تدفع إسرائيل نحو سحقها كليًا. وفي سوريا، تريد إسرائيل التقسيم، في حين تعمل واشنطن – بناء على طلب سعودي وتركي – على تقوية موقع أحمد الشرع، لكن من دون جدوى، وسط تحريض إسرائيلي لمكونات داخلية أبرزها الدروز.
أما في لبنان، فيكمن الخلاف بين الطرفين في أن الأميركيين يرون أن تسليم حزب الله سلاحه لا يمكن أن يتم سريعًا ومن دون إطار يوفر له مخارج سياسية، بينما تصر إسرائيل على “تكسير رأس الحزب” عسكريًا وأمنيًا.
وفي حين تواصل واشنطن دعم الحكومة اللبنانية والجيش، يجنح الموقف الإسرائيلي نحو التشدد إلى درجة أن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة عارض حزمة المساعدات الأخيرة للجيش اللبناني بقيمة 15 مليون دولار. حتى الآن، يبقى توم براك المسؤول المباشر عن الملف اللبناني وتعمل أورتيغوس تحت إشرافه بحسب الاوساط المذكورة.