لحظة الخطر على قطر ودول الخليج
“مصدر دبلوماسي”-البوصلة
كتبت مارلين خليفة
محاولة الاغتيال التي استهدفت وفد حركة حماس المفاوض في عمق العاصمة القطرية الدوحة لم تكن مجرد عملية عسكرية عابرة بل اغتيال سياسي بغطاء عسكري ورسالة استراتيجية بالغة الخطورة مفادها أن إسرائيل باتت مستعدة لتوسيع نطاق صراعها إلى ما وراء فلسطين ولبنان وسوريا وصولًا إلى دول الخليج.
فالضربة طالت الوفد الذي كان يناقش مقترحا أميركيا لوقف إطلاق النار ما يعني أن إسرائيل لم تستهدف حماس وحدها بل ضربت المسار السياسي ذاته وأصابت مباشرة الدور القطري الذي يشكل أحد أعمدة الوساطة في النزاعات الإقليمية.
قطر هنا ليست دولة عادية في الحسابات الإسرائيلية أو الأميركية، فهي الدولة الخليجية التي نسجت لنفسها دور الوسيط النشط في أكثر الملفات حساسية في المنطقة. من المفاوضات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان التي أفضت إلى انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، إلى الوساطات في النزاعات السودانية واليمنية، وصولًا إلى اتفاق الدوحة في لبنان عام 2008 الذي أنهى أزمة سياسية خانقة، وصولًا إلى دورها الحاسم في الوساطة بين إسرائيل وحماس حيث نجحت في إرساء الهدنة الأولى في مايو 2021.
هذا الرصيد السياسي جعل من قطر عنوانًا للوساطة ونافذة إلزامية لأي تسوية في غزة. استهداف وفد حماس المفاوض في الدوحة هو إذن رسالة مضاعفة: ضرب المفاوضين وإحراج الوسيط.
للمرة الأولى، تقدم إسرائيل على عملية من هذا النوع في دولة خليجية، لتصبح قطر أول دولة من مجلس التعاون تتعرض لعملية عسكرية إسرائيلية علنية. وإذا كان بإمكان تل أبيب أن تضرب في عاصمة ترتبط بعلاقات وثيقة مع واشنطن وتستضيف أكبر قاعدة أميركية في المنطقة، فإن الرسالة لبقية العواصم الخليجية بالغة الوضوح: لا حصانة لأحد، وأمن الخليج قد يتحول في أي لحظة إلى ساحة مواجهة. المخاطر لا تقف عند البعد الأمني وحده، بل تتعداه إلى السياسي والاقتصادي. فزعزعة الاستقرار في الخليج تمثل تهديدًا لشريان الطاقة العالمي في ظرف دولي حساس، فيما الاستباحة الإسرائيلية للأجواء الخليجية تمثل تعديًا على السيادة ورسالة استعلاء على كل الوسطاء الإقليميين والدوليين.
تصاعد السلوك الإسرائيلي بهذا الشكل يعكس تحولا في مقاربة حكومة بنيامين نتنياهو إذ لم تعد العمليات تقتصر على غزة أو جنوب لبنان أو الأراضي السورية ولم تعد تستهدف مقاتلين أو بنى عسكرية بل انتقلت إلى استهداف مفاوضين سياسيين يناقشون مقترحات دولية وهو ما يعني عمليًا أن إسرائيل تسعى إلى نسف الشرعية الدبلوماسية في المنطقة وأنها لا تكتفي بمحاربة حماس، بل تضع الدور القطري نفسه في مرمى النيران.
المعادلة الجديدة التي تحاول تل أبيب فرضها تنطوي على مخاطر جسيمة: إفشال الوساطات الخليجية، تقويض الثقة في المساعي التفاوضية، وتحويل دول الخليج إلى أطراف معرضة للضغط والابتزاز بدلًا من كونها منصات للحلول. بالنسبة لقطر، هذا التطور يمثل تحديًا مباشرًا لمكانتها كوسيط موثوق وكدولة استطاعت أن توظف علاقاتها مع مختلف الأطراف لتثبيت الاستقرار ولو مرحليًا. أما بالنسبة لبقية دول الخليج، فهو إنذار بأن التصعيد الإسرائيلي لم يعد بعيدًا عن حدودها، وأنها قد تجد نفسها في قلب المعادلة الأمنية للصراع من دون أن تكون طرفًا مباشرًا فيه.
إن أخطر ما تكشفه محاولة اغتيال وفد حماس في الدوحة هو أنها لا تستهدف شخصيات بعينها بقدر ما تستهدف فكرة الوساطة الخليجية برمتها، بما تحمله من رصيد سياسي ودبلوماسي. فالرسالة الإسرائيلية واضحة: لن يُسمح لأي قوة إقليمية بأن تفرض إيقاعًا مخالفًا لإيقاع الحرب، حتى لو كان ذلك على حساب أمن الخليج كله.