إن الموقف الحكومي الحالي يضع لبنان على مفترق طرق خطر إذ إن استمرار العدوان الإسرائيلي إلى جانب غياب الضمانات الأميركية يزيد من هشاشة الوضع ويجعل أي قرار حول نزع السلاح محفوفاً بالمخاطر
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
تعيش الساحة اللبنانية اليوم مرحلة شديدة الحساسية على خلفية ما عرف بورقة براك، وهو القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية في الخامس من آب 2025، والذي يحمل أبعاداً سياسية وأمنية خطيرة ويعكس ضغطاً أميركياً مباشراً على السلطة اللبنانية. هذه الورقة، التي تُقدَّم على أنها خطة وطنية لإدارة السلاح، حملت في ظاهرها الطابع الأميركي،” لكنها في جوهرها مشروعاً إسرائيلياً يسعى إلى نزع سلاح المقاومة فوراً، متجاهلة الالتزامات الدولية السابقة واتفاق 27 نوفمبر 2024 الذي تم توقيعه بين اسرائيل ولبنان ممثلا بالرئيس نبيه بري بينما استمرت إسرائيل في انتهاك سيادة الأراضي اللبنانية وشن العدوان دون أي ردع أميركي، وهو ما أوجد مناخاً من عدم الثقة والقلق داخل الأوساط اللبنانية والمحيط الإقليمي”. بحسب ما تقول اوساط واسعة الاطلاع على مناخ حزب الله.
وفي المعلومات التي حصل عليها موقع “مصدر دبلوماسي” فإن ورقة براك تعود إلى سلسلة من الاجتماعات والمفاوضات التي استمرت على مدى عدة أشهر، حيث تضمنت النسخة الأولى من الورقة أهدافاً واضحة تشمل وقف العدوان الإسرائيلي قبل أي مناقشة لنزع السلاح، مع آليات زمنية متدرجة لتنفيذ ما اتفق عليه بما يشمل انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، تحرير الأسرى وترسيم الحدود مع سوريا خلال 120 يوماً. وبعد تعديلات لبنانية محدودة
اكتسبت الورقة في نسختها الثانية طابعاً محلياً مع طغيان “نكهتها” الاميركية. لكن الزيارة الأخيرة لتوم براك عقب حوادث السويداء في سوريا ولقاءاته مع الرئيس جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري شهدت محاولة استعجال الموافقة على الورقة مقابل الحصول على موافقة حزب الله على نزع سلاحه وهو ما اجاب عنه الرئيس عون بأنه ملف لدى الرئيس بري الذي جابهه بالرفض التام.
عند بري تلقى برّاك ردودا واضحة وقراءة مركّزة تفيد بأنه يوجد التزام لبناني بعدم الرد على العدوان والتزام وانخراط حزب الله في إعادة انتاج السلطة والاستعداد لمناقشة الامور في إطار استراتيجية الامن الوطني، ولا يمكن مقابلة ذلك بخطوات تصعيدية كالتي تحصل.
عندئذ قرر براك بعد لقاءاته اعتماد اتفاق 27 نوفمبر 2024 وطوى أي حديث عن ورقته.
غادر برّاك على قاعدة القبول بالاتفاق القائم وبعد ذهابه الى فرنسا ومقابلته المسؤول السعودي عن ملف لبنان الامير يزيد بن فرحان غيّر براك موقفه وقال أن الاسرائيلي لم يوافق للعودة الى اتفاقية الهدنة.
جونسون قدّمت ورقة غير قابلة للنقاش
عندها تمّ تقديم ورقة جديدة تحمل إسمه، وقدمت النسخة النهائية للورقة عملياً السفيرة الأميركية ليزا جونسون للرئيس جوزاف عون وللرئيس نبيه بري والتي أكدت أنها غير قابلة للتعديل أو النقاش، وأن المطلوب تقديمها إلى الحكومة كما هي وهو ما أثار استياء حزب الله وأسس لمواجهة سياسية بدأنا نشهد تصعيدا لها مع خطاب الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في ذكرى اربعين الحسين ومما قاله: “تريدون أن تعرفوا موقف حزب الله. يبدو أنه تنتظرونه منذ زمن، مع العلم أننا كررناه بأوقات مختلفة، لكن اليوم سوف أقوله بصريح العبارة: لن تسلم المقاومة سلاحها والعدوان مستمر والاحتلال قائم، وسنخوضها معركة كربلائية إذا لزم الأمر، في مواجهة هذا المشروع الإسرائيلي الأمريكي مهما كلفنا ونحن واثقون أننا سننتصر في هذه المعركة. وهيهات منا الذلة.”.
التزامات سابقة
السلوك الحكومي خلال جلسة الخامس من آب، التي قادها نواف سلام وجوزاف عون، أظهر تخلفاً عن التزامات سابقة وتعهدات واضحة بإدارة الملف ضمن توافق داخلي وحماية المصلحة الوطنية. لم يتم خلال الجلسة أي نقاش حقيقي للورقة، وطلب رئيس الحكومة أن تحصل الورقة على تنويه من المجلس، وهو ما اعتبره حزب الله خرقاً للميثاقية وسلوكاً يمهد لانزلاق البلاد نحو أزمة غير محسوبة.
انسحب وزير التنمية الادارية فادي مكي [شيعي مستقبل مقرب من بري] خلال الجلسة الثانية، وبرأي اوساط واسعة الاطلاع على مناخ “حزب الله” كان يمكن للرئيس جوزاف عون ان يستفيد من انسحاب مكي ويرفع الجلسة لكن عون لم يفعل.
وقد أكدت المصادر المطلعة “أن سوء إدارة هذه الجلسة، وعدم التزام الرؤساء باتفاقيات وتفاهمات سابقة، دفع حزب الله إلى إعادة تقييم موقفه من استمرار التواجد الحكومي، أو الانسحاب، أو المقاطعة، مع ضرورة توحيد الموقف مع حركة أمل ومناقشة الخيارات بهدوء بعيداً عن ردود الفعل العاطفية”.
نعيم قاسم يهدد للمرة الاولى
في هذا السياق، رفع الشيخ نعيم قاسم الأمين العام لحزب الله، سقف المواجهة سياسياً وأمنياً في كلمته خلال ذكرى أربعين الحسين، مؤكداً على خطورة القرارات الحكومية على الأمن الوطني واستقرار لبنان. وقال قاسم: “الحكومة اتخذت قرارًا خطيرًا جدًا، خالفت فيه ميثاق العيش المشترك، وهي تعرض البلد لأزمة كبيرة. أنتم ناقضتموها الآن؟ ضربتم الاستراتيجية، ضربتم الأمن الوطني، رفضتم كل شيء. أنتم الآن تريدون نزع الشرعية عن المقاومة من خلال اجتماع الحكومة وهذه القرارات؟” وأكد أن “الشرعية للمقاومة تأخذها من الدماء، والتحرير، والحق، والأرض، ولا تأخذها منكم، ولا تحتاجها منكم. اذهبوا استغفروا الله عز وجل، اذهبوا عملوا ما يساعد على أن تعطوا تعبيرًا لشركائكم أنكم شركاء يمكن الوثوق بهم لبناء لبنان معاً”. كما أوضح أن حزب الله اتفق مع حركة أمل على تأجيل النزول إلى الشارع، رغم بعض الاقتراحات للتظاهر، قائلاً: “يوجد مجال للنقاش وإجراء تعديلات قبل أن نصل إلى المواجهة التي لا يريدها أحد، ولكن إذا فُرضت علينا، ونحن مستعدون لها، حينها تحصل تظاهرة بالشوارع، تذهب على السفارة الأميركية، تقوم بأعمال لها علاقة بنصرة الحق وإبراز الوجود”.
وأشار الشيخ قاسم إلى أن الحكومة اللبنانية تتحمل “كامل المسؤولية لأي فتنة يمكن أن تحصل، ونحن لا نريدها، ولكن هناك من يعمل لها. تتحمل الحكومة مسؤولية أي انفجار داخلي، وأي خراب للبنان. تتحمل الحكومة مسؤولية تخليها عن واجبها في الدفاع عن أرض لبنان وعن مواطنيها”، محملاً السلطة مسؤولية إدخال البلاد في مسار غير محسوب، وداعياً إلى تحمل المسؤولية الوطنية عبر العمل على حماية لبنان والمواطنين، بدلاً من الانجرار خلف أجندات خارجية.
اقتراحات تساعد على التهدئة
من ناحية أخرى، أظهرت متابعة الأوساط السياسية أن هناك عدة اقتراحات للمستقبل يمكن أن تساعد على تهدئة الموقف واحتواء التصعيد. تشمل هذه الاقتراحات تعديل القرار عبر إسقاط المهل الزمنية وربطه بتطبيق إسرائيل للاتفاق، أو تكليف الجيش اللبناني بوضع خطة محكمة تُعرض لاحقاً على مجلس الوزراء ضمن إطار استراتيجية الأمن الوطني، ما يضمن قوة الردع للمقاومة ويحول دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة أو فتنة داخلية. ويرى حزب الله أن أي نقاش حول نزع السلاح خارج سياق وقف العدوان الإسرائيلي وعودة الأسرى وامتثال إسرائيل للاتفاق يمثل “انتحاراً للجميع”.
وعلى مستوى التحليل السياسي، فإن الموقف الحكومي الحالي يضع لبنان على مفترق طرق خطر إذ إن استمرار العدوان الإسرائيلي إلى جانب غياب الضمانات الأميركية يزيد من هشاشة الوضع ويجعل أي قرار حول نزع السلاح محفوفاً بالمخاطر.
كما أن الممارسات الحكومية تؤكد وجود توجه للضغط على المقاومة لتسليم سلاحها، وهو ما ربطته مصادر حزب الله بالمناخ الإقليمي المتأزم في سوريا وإعادة توزيع النفوذ والمصالح بين القوى الإقليمية” [السعودية وتركيا]، ما يزيد من تعقيد الوضع الداخلي اللبناني ويعزز المخاطر على الاستقرار الوطني.
