البوصلة
مارلين خليفة:
لم يعد بإمكان لبنان الاعتماد على حلول مجتزأة أو سياسات أحادية الجانب في ظل التهدديات التي تتربص به من اسرائيل من جهة ومن مجموعات متطرفة من جهة ثانية. فالوضع الراهن يتطلب من الحكومة اللبنانية تبني استراتيجية دفاعية وطنية شاملة تضع مصلحة لبنان وسيادته كأولوية وتجمع كل القوى في حوار جدي وحاسم يقطع طريق الانقسامات ويبني منظومة دفاعية أمنية موحدة تحمي لبنان من المخاطر الداخلية والخارجية على حد سواء.
وفي هذا الواقع المعقد، يطرح سؤال جوهري حول كيفية التوفيق بين تعزيز دور الجيش اللبناني وضمان أمن الحدود وبين الدور الذي لا يمكن تجاوزه للمقاومة في حماية لبنان، وهو دور لا يزال ضروريا وسط ضغوط إقليمية ودولية قد لا تراعي بالضرورة المصالح الوطنية.
إنّ تحقيق توازن دقيق بين قوة الدولة متمثلة بالجيش وبين المقاومة التي يجب أن تخضع لاستراتيجية دفاعية متوافق عليها، يمثل ركيزة أساسية لتفادي تصاعد التوترات التي تضع الاستقرار اللبناني على المحك.
منذ توقيع اتفاق الطائف شكّلت معادلة الجيش والشعب والمقاومة ركيزة أساسية للدفاع عن لبنان ودرعاً صلباً في وجه أطماع اسرائيل المتكررة. إذ أبقى اتفاق الطائف في ملاحقه على حق المقاومة في السلاح كحاجز حقيقي وحاسم لحماية لبنان لا سيما في ظل الاحتلال المستمر والتهديدات المتكررة.
تواجه هذه المعادلة تهديداً خطراً بالانهيار، وسط تصاعد الخلافات السياسية حول حصر السلاح ورفض حزب الله القاطع لقرار حكومة نواف سلام في وقت لا تزال الأراضي اللبنانية محتلة، والانتهاكات الإسرائيلية اليومية تسفر عن شهداء من المدنيين، كان آخرهم أمس في تولين، ووسط تهديدات إسرائيلية بتدمير مبانٍ وفق ما تشاء وتهديدات متصاعدة بقصف المرافق الحيوية تضج بها الصالونات الدبلوماسية الغربية والعربية كالمطار والمرفأ والمعابر الحدودية! وانهيار الضمانة الأميركية والفرنسية لاتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني الماضي. وبعد تنفيذ حزب الله انسحابه من جنوب الليطاني، ورفضه أي نقاش حول شمال الليطاني، يواصل العدو الإسرائيلي توغله في اعتداءاته بلا توقف، في وقت يواجه لبنان مخاطر جاثمة أيضاً على حدوده الشمالية والشرقية مع سوريا، ما يضع لبنان على شفير مواجهة داخلية تهدد استقرارها
إدارة شاملة ومتكاملة لمسألة الدفاع الوطني
ينص الدستور اللبناني في المادة 49 على أن رئيس الجمهورية هو رمز وحدة الوطن، ومسؤول عن الحفاظ على استقلاله ووحدته وسلامة أراضيه، كما يرأس المجلس الأعلى للدفاع والقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء. يؤكد هذا النص الدستوري على ضرورة إدارة شاملة ومتكاملة لمسألة الدفاع الوطني، ترتكز على وحدة القرار السياسي والعسكري ضمن مؤسسات الدولة، بعيداً عن الانقسامات والصراعات السياسية التي قد تعيق اتخاذ قرارات حاسمة وحكيمة. فالدفاع الوطني لا يمكن أن يكون رهينة مصالح ضيقة أو تجاذبات حزبية، ولا أن يُقاد بورقة مطالب خارجية، أميركية كانت أو غيرها، تضرب عرض الحائط مصالح لبنان الوطنية والتهديدات الحقيقية التي تواجهه. يجب أن يُدار الدفاع الوطني باعتباره مسؤولية وطنية كبرى تجمع كل الأطراف في منظومة واحدة تحمي لبنان وسيادته وتضمن أمنه واستقراره.
في هذا السياق، تؤكد تجربة معركة فجر الجرود عام 2017 حقيقة التعاون والتكامل بين الجيش اللبناني والمقاومة، حينما عملا بتناغم تام، فكان النصر على الإرهاب حليف لبنان وأمن حدوده الشرقية. هذه المعركة تثبت أن الجيش والمقاومة ليسا خصمين، بل ركيزتان لا يمكن التفريط بهما في منظومة الدفاع الوطني. أي صدام بينهما ليست مجرد خطر على الأمن الداخلي، بل تهديد مباشر لوحدة لبنان وفعالية دفاعه.
لزوم هذا الكلام تصاعد الاسئلة حول الآلية التي سيعتمدها الجيش اللبناني لنزع سلاح حزب الله؟! وهي اسئلة تضج بها ايضا الصالونات الدبلوماسية العربية والغربية في لبنان، إذ يبدو أن اسرائيل نصبت فخا لتصادم محتمل بذريعة نزع السلاح وينبغي على لبنان تجنبه، وهنا لا نوجه اتهاما بالتواطؤ من قبل الحكومة كما يذهب البعض، -لا سمح الله -إنما قد يقع لبنان بهذا الفخ دون ارادته وبفعل الاستعجال بتنفيذ مطالب دولية من دون النظر الى المصلحة الوطنية الشاملة.
تحديات الحدود الشمالية والشرقية
لا تقتصر التحديات على الجنوب وحدوده مع العدو الإسرائيلي فحسب، بل تمتد لتشمل الحدود الشمالية والشرقية مع سوريا، حيث تنشط مجموعات متطرفة وإرهابية تشكل تهديداً خطرا لأمن لبنان واستقراره. هذا الواقع يفرض على الدولة تبني استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لا تستثني أحداً، تقوم على الحوار الوطني، وتستند إلى تقوية الجيش بأسلحة نوعية ومتطورة، وتعزيز دور قوى الأمن الداخلي في حفظ الاستقرار ، مع الاستفادة من خبرات المقاومة في مواجهة الجماعات الإرهابية.
جنوباً وبقاعاً وفي الضاحية الجنوبية، لا تزال الانتهاكات الإسرائيلية مستمرة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024. سجل لبنان أكثر من 3500 خرق أمني حتى حزيران 2025، تشمل اختراقات برية وجوية وبحرية، أدت إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى، مع استمرار القصف المتكرر للمناطق المأهولة بالسكان. إسرائيل، التي تتجاهل قرارات مجلس الأمن الدولي، لا سيما القرار 1701 الذي ينص على وقف الأعمال القتالية وضرورة انسحابها من الأراضي اللبنانية، تواصل انتهاك سيادة لبنان بلا رادع، في وقت تشتغل حكومة نواف سلام على جدولة حصر سلاح حزب الله الذي ترفض إسرائيل تسليمه الى الجيش اللبناني بل تريد تدميره لانها ترفض يكون جيش لبناني قوي على حدودها ما يسهل عليها الاعتداء مستقبلاً.
في هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأهم: هل نملك الإرادة الوطنية والسياسية والإنسانية للاتفاق على استراتيجية دفاعية جامعة تنقذ لبنان من أزماته، وتبعده عن شبح الفوضى الداخلية والحروب الأهلية التي لا تخدم سوى أعدائه؟
