وزير الخارجية والمغتربين الراحل الدكتور عبد الله بو حبيب
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
غيّب الموت اليوم الخميس وزير الخارجية والمغتربين السابق الدكتور عبدالله بو حبيب عن عمر ناهز الثالثة والثمانين عاماً بعدما شكّل خلال مسيرته الاكاديمية والدبلوماسية ركنا أساسياً من أركان السياسة الخارجية اللبنانية.
بو حبيب، المولود في بلدة روميه العام 1941 تخرّج من الجامعة الأميركية في بيروت في الاقتصاد، قبل أن ينال دكتوراه في التخصص نفسه من جامعة فاندربيلت في الولايات المتحدة. وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، تنقل بين مواقع اقتصادية ودبلوماسية رفيعة، من البنك الدولي إلى تمثيل لبنان سفيراً في واشنطن خلال الحرب الأهلية إلى كونه مستشارا سياسياً وناشطاً أكاديمياً ومؤسساً لمركز بحثي هو مركز عصام فارس للدراسات. وقد تُوّجت هذه المسيرة بتوليه حقيبة الخارجية في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الثالثة عام 2021، وسط واحدة من أعقد الأزمات التي عصفت بلبنان.
حين تولّى الدكتور عبدالله بو حبيب وزارة الخارجية، كان لبنان في خضمّ أزمة مالية واجتماعية خانقة وفي عزّ عزلة دبلوماسية عربية ودولية لم يشهدها منذ عقود. غير أن مقاربته الواقعية والهادئة ساهمت في إعادة نسج بعض خيوط الثقة المفقودة مع الخارج.
فقد حرص بو حبيب على التهدئة والانفتاح، وأكد مراراً على تمسّك لبنان بعلاقاته التاريخية مع الدول الخليجية مسجّلاً محاولات حثيثة لإصلاح العلاقات المتوترة مع المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي عقب الأزمة الدبلوماسية التي أثارها تصريح وزير الإعلام السابق جورج قرداحي بشأن حرب اليمن.
في هذا السياق، شكّلت مواقفه المتزنة دليلا على رغبة لبنان في الحوار لا المواجهة وقد عبّر عن ذلك بالقول: «إذا كنا لا نستطيع أن نختلف لا أريد هكذا إخوة»، في رسالة واضحة بأن لبنان يرفض الإملاءات لكنه لا يتخلى عن عمقه العربي.
في ملف النزوح السوري، كان بو حبيب من أبرز الداعين إلى مقاربة واقعية تأخذ بعين الاعتبار العبء الكبير الذي يتحمله لبنان. فقد دأب في المحافل الدولية، لا سيما في مؤتمرات بروكسل، على المطالبة بإيجاد حلول مستدامة، وإعادة توجيه المساعدات إلى الداخل السوري بدل الإبقاء على اللاجئين في دول الجوار. ولم يتردد في اعتبار أن استمرار هذا الواقع يهدد التركيبة اللبنانية برمّتها.
دفاع عن السيادة في وجه التصعيد
مع تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية، شكّل بو حبيب أحد الأصوات الداعية للتمسك بالقرارات الدولية، وخصوصاً القرار 1701، وقد شدد على أهمية الدور الأوروبي والدولي في ضمان التهدئة، منبهاً إلى أن الانفجار في الجنوب سيكون له تداعيات كارثية على الجميع. كما لم يخف خيبته من أداء بعض الدول الكبرى وخصّ بالذكر الولايات المتحدة الاميركي بالرغم من انه يحمل الجنسية الاميركية التي اعتبر أن خطاب رئيسها السابق جو بايدن في الأمم المتحدة «لم يكن قوياً» تجاه ما يجري في الجنوب اللبناني.
في ملف ترسيم الحدود البحرية، كان للدكتور بو حبيب دور مساند في دعم حقوق لبنان السيادية، وعمل على تأكيد الموقف اللبناني في كل المحافل الدولية رغم حساسية الملف وتعقيداته.
قبل أن يعتلي المنابر السياسية، راكم الدكتور عبدالله بو حبيب تجربة أكاديمية ومهنية لافتة. فقد أمضى سنوات في البنك الدولي، وعمل على برامج التنمية لمنطقة الشرق الأوسط، وشغل منصب مستشار لنائب رئيس البنك، كما أسس لاحقاً مركز عصام فارس للدراسات والسياسات العامة في بيروت، فكان واحداً من الأصوات الفكرية المتخصصة القليلة التي تجمع بين النظرية والممارسة.
وفي سنواته الأخيرة، واصل الكتابة والتأليف، ونشر كتباً ومقالات مهمة، منها: «بصمات أميركا على لبنان» و«قيم أميركا ومصالحها»، ما أكسبه صفة الباحث الرصين كما السياسي المعتدل.
