السفير دبور مع أبو عمار الذي عمل معه لسنين طويلة
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
منذ أن تولّى السفير أشرف دبور مهامه كأول سفير لدولة فلسطين في لبنان العام 2012 بعد رفع مستوى التمثيل الفلسطيني من مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى سفارة رسمية، شكّل حجر زاوية في مرحلة جديدة من العلاقات اللبنانية–الفلسطينية مرتكزة الى الاحترام المتبادل والعمل المشترك وتكريس الأمن داخل المخيمات الفلسطينية وخارجها.
لم يقتصر دوره على الدبلوماسية الكلاسيكية بل اندرج ضمن مسار شامل سياسي وإنساني وأمني كان فيه صوت فلسطين الموثوق في الداخل اللبناني وعنوانا للاعتدال والحكمة ومد الجسور.

في صلب هذا المسار، يبرز ملف السلاح الفلسطيني في لبنان كواحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا سواء من ناحية المضمون أو من ناحية الآليات. وقد تعاطى معه السفير دبور برويّة ومسؤولية مؤكدا في كل مناسبة أن موضوع السلاح الفلسطيني هو استحقاق وطني لبناني–فلسطيني مشترك يتطلّب معالجة واعية ومسؤولة تأخذ بعين الاعتبار السياق التاريخي، والخصوصية اللبنانية والتجربة الفلسطينية الطويلة.
من وجهة نظر السفير دبور، فإن السلاح داخل المخيمات ليس ملفًا يُطرح كشعار أو يعالَج بانفعال أو ضغوط إعلامية أو سياسية بل هو بند وارد في البيان الوزاري اللبناني ويقارب ضمن خطة وطنية متكاملة وبحوار مسؤول.
والفلسطينيون ملتزمون ببسط سلطة الدولة اللبنانية على الاراضي اللبنانية كافة بما فيها المخيمات الفلسطينية، ولكن معالجة مسألة السلاح فهي تتم ضمن آلية عمل معينة تتم دراستها بحكمة ووعي كاملين وإدراك للخصوصية اللبنانية والفلسطينية على حد سواء حتى تصل الى ما يجب أن تصل اليه وفق المسار الذي تبناه الرئيس العماد جوزاف عون وكذلك البيان الوزاري للحكومة.
وانطلاقًا من هذه المقاربة، وقف السفير دبور بثبات خلف الرؤية الموضوعية والمتوازنة التي تبنّاها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في خطاب القسم والتي شددت على أن حلّ هذه المسألة لا يتم إلا بالحوار والتنسيق لا بالقوة أو الفرض وأيضا احترام ما ورد في البيان الوزاري للحكومة . فالأمر لا يحتمل مغامرات سياسية أو شعبوية، بل يتطلّب إدراكا عميقًا للمخاطر التي قد تنتج عن أي معالجة عشوائية وا سيّما تلك التي تطالب بتسليم السلاح من دون أي تخطيط أو رؤية، وهو ما قد يدخل الفلسطينيين ولبنان في دوامة أمنية لا تُحمد عقباها وكي لا يصبح هذا الطرح من قبل بعض الجهات في سياق تقديم اوراق اعتماد لطرف ما على مصلحة اللبنانيين والفلسطينيين معا.

بداية المسار الدبلوماسي في لبنان
قبل إنشاء سفارة دولة فلسطين رسميًا في لبنان، كانت منظمة التحرير الفلسطينية تمثَّل عبر مكتب رسمي تولّى إدارته الراحل شفيق الحوت حتى العام 1982، حين أُغلق إثر الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. بالرغم من إقفال المكتب، واصل الحوت أداء مهامه الوطنية من منزله، ساعيًا إلى التخفيف من معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
في العام 2005، عُين عباس زكي ممثلا للجنة التنفيذية للمنظمة في لبنان وافتُتحت الممثلية رسميًا بحضور لبناني رسمي قبل أن يغادر في العام 2009.
تبعه الدكتور عبد الله عبد الله العام 2010، الذي شهدت ولايته اعتراف الدولة اللبنانية بدولة فلسطين ورفع مستوى التمثيل من مكتب إلى سفارة رسمية.
في العام 2012، عُيِّن السفير أشرف دبور أول سفير لدولة فلسطين في لبنان، وقدم أوراق اعتماده إلى رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق ميشال سليمان في لحظة مفصلية رسمت ملامح مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية–الفلسطينية عنوانها التعامل بين دولتين ذات سيادة تربط بينهما قضايا مركزية ومصالح مشتركة على أرض واحدة.
بناء علاقة ثابتة بين الفلسطينيين والدولة اللبنانية
منذ لحظة تسلّمه مهامه، كرس السفير دبور جهوده لبناء علاقة ثابتة مع الدولة اللبنانية، قائمة على احترام السيادة وحماية الأمن والاستقرار وخصوصًا في ما يتعلق بالمخيمات الفلسطينية ومحيطها. وفي بلد تتداخل فيه السياسة بالأمن، لعب السفير دبور دورا محوريًا في تحييد المخيمات الفلسطينية عن التوترات اللبنانية، فكان حاضنا للفصائل الفلسطينية كافة وداعمًا للجيش اللبناني في تثبيت الاستقرار داخل المخيمات، كما فعل خلال معركة عبرا (2013)، وأخيرًا في الاشتباكات الدامية التي شهدها مخيم عين الحلوة في صيف 2023، حيث قاد جهودًا تنسيقية مع “هيئة العمل الفلسطيني المشترك” وأجهزة الدولة لنزع فتيل الفتنة.
علاقات مع جميع الاطراف اللبنانيين دون استثناء

سياسيًا، نسج دبور علاقات متينة مع مختلف مكونات المجتمع اللبناني: من “حزب الله” و”حركة أمل” إلى “تيار المستقبل” و”القوات اللبنانية” و”الحزب التقدمي الاشتراكي”، مقدمًا القضية الفلسطينية كقضية جامعة بعيدًا من الاصطفافات والانقسامات اللبنانية. وعلى الصعيد العربي، برز كعميد للسلك الدبلوماسي العربي في لبنان، حيث كان المتحدث الرسمي في أكثر من مناسبة، ناقلاً صوت فلسطين وموقفها العربي من على منابر قصر بعبدا والسراي الحكومي.
عميد السلك الدبلوماسي العربي
على المستوى الدبلوماسي، تولّى السفير دبور منصب عميد السلك الدبلوماسي العربي في لبنان، ما جعله المتحدث باسم السفراء العرب في أكثر من مناسبة رسمية، لا سيما في اللقاءات مع رؤساء الجمهورية أو في المؤتمرات الدبلوماسية، حيث مثّل الصوت الفلسطيني والعربي، وعبّر عن الموقف الفلسطيني في أوقات الأزمات والمفاصل الكبرى.
كما حافظ السفير دبور على علاقات متينة مع الوزارات اللبنانية والإدارات الرسمية المعنية بملف اللاجئين الفلسطينيين، مثل وزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الصحة، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، و”الأونروا”، حيث عقد لقاءات دورية مع الوزراء المعنيين، وسعى دائمًا إلى التخفيف من آثار الأزمة الاقتصادية على الفلسطينيين في المخيمات.
ولم تقتصر جهوده على الجانب السياسي والأمني، بل شملت رعاية واسعة للمبادرات الثقافية والإبداعية الفلسطينية في لبنان. دعمت السفارة مهرجانات مثل “القدس عاصمة الثقافة”، واحتفالات يوم الأرض ويوم النكبة في بيروت وصيدا وطرابلس، كما كرّمت شخصيات فلسطينية ثقافية وفنية كالشاعر طارق الشريف والمخرجة نضال حسن.

وعلى المستوى العلمي والتقني، نظّمت السفارة ورش عمل بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية حول الذكاء الاصطناعي والبرمجة وريادة الأعمال، واستضافت مبادرات في مركز “نبض المخيم” في صيدا. كما نظّم السفير دبور لقاءات شبابية في مخيمات برج البراجنة وعين الحلوة، بعنوان “العمل التطوعي والتنمية المجتمعية”، لتشجيع الطلاب الجامعيين على الانخراط في خدمة مجتمعاتهم.
كما أقامت السفارة سلسلة من المعارض والأمسيات الثقافية والفنية، أبرزها معرض “فلسطين في القلب” في قصر الأونيسكو، واحتضنت أمسيات شعرية عن القدس والهوية الوطنية، وليالي رمضانية فلسطينية أحيتها فرق تراثية من الشتات.
وأصبحت السفارة في عهد دبور ملتقى جامعًا للاتحادات والنقابات والمؤسسات الفلسطينية، فنظّمت مؤتمرات للاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين، واتحاد الكتّاب والمثقفين، ولقاءات تنسيقية لاتحاد الطلاب الفلسطينيين.

أما في المجال الصحي، فحرص السفير دبور على دعم إنشاء وتجهيز مستوصف جديد في مخيم البدّاوي، وأطلقت السفارة بالشراكة مع “الأونروا” و”الصليب الأحمر” حملات تطعيم مجانية، وبرامج لتأمين أدوية الأمراض المزمنة. كذلك حض الاونروا على توفير دعم اضافي وتمويل لانشطتها كاملة وتحسينها.
شعر الفلسطينيون في عهده بأن سفارة دولة فلسطين صارت الملجأ والمقصد بهم في حل جميع قضاياهم.
من انجازاته بناء مستشفى الهمشري في صيدا وتوفير الرعاية الاجتماعية للشعب الفلسطيني واهتم بالتعليم للطلاب الفلسطينيين ومساعدتهم من خلال صندوق محمود عباس للطلبة الفلسطينيين.
خلال جائحة كورونا، أنشأت السفارة لجان طوارئ داخل المخيمات بالتعاون مع الفصائل، ووزّعت الكمّامات والمطهرات، ونسّقت مع وزارة الصحة اللبنانية لتوفير فحوص PCR مجانًا.
توحيد الصوت الفلسطيني
في ظل ما عُرف بـ”الربيع العربي”، حين تصاعد التوتر في الدول المحيطة بلبنان، عمل السفير دبور على تحييد الوجود الفلسطيني عن الاصطفافات، فرفض أن تتحوّل المخيمات إلى منصات لأي طرف، وأصرّ على التنسيق الكامل مع الدولة اللبنانية والفصائل، لمنع أي زجّ فلسطيني في الصراعات الإقليمية.

وكرّس دبور ما أسماه “الحياد الإيجابي”، فلم تنخرط السفارة في أي خلاف لبناني داخلي، وحرص على البقاء على مسافة واحدة من جميع القوى، مع التواصل الدائم مع المرجعيات الدينية والسياسية، من مفتي الجمهورية إلى البطريرك الراعي، مرورًا بالمجلس الشيعي الأعلى، في سبيل الحفاظ على السلم الأهلي وأمن المخيمات.
كما رفض السفير دبور السماح بتحويل المخيمات الفلسطينية إلى بؤر فوضى، ونسّق مع الجيش اللبناني والفصائل لضبط الأمن وتوقيف المطلوبين، حتى باتت المخيمات الفلسطينية من الأدنى من حيث ارتكاب الجرائم في لبنان.
وفي الإطار الفلسطيني الداخلي، كان للسفير دبور دور حاسم في توحيد الصوت الفلسطيني، إذ رعى اجتماعات “هيئة العمل الفلسطيني المشترك” التي تضم “فتح” و”حماس” وفصائل أخرى، خصوصًا خلال الأزمات الأمنية، مثل اشتباكات مخيم عين الحلوة في 2023، حيث أصدر موقفًا موحّدًا ساهم في تهدئة الأوضاع وحقن الدماء.
وخلال العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان الذي اندلع في أيلول 2024، لعب السفير أشرف دبور دورًا محوريًا في حماية أبناء الشعب الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها. فقد أطلقت السفارة الفلسطينية خطة طوارئ شملت تأمين مراكز إيواء في مخيم الرشيدية ومخيم البرج الشمالي لاستقبال العائلات النازحة من قرى الجنوب، خصوصًا المناطق المحاذية للخط الأزرق، حيث تعرّضت مناطق مثل علما الشعب وطير حرفا للقصف الإسرائيلي. وتولّى السفير دبور شخصيًا متابعة أوضاع النازحين، فزار مخيم الرشيدية وأشرف على عمليات توزيع المساعدات الغذائية والطبية، ونسّق مع الهلال الأحمر الفلسطيني و”الأونروا” لتأمين المستلزمات الأساسية. كما أجرى زيارات ميدانية للمدارس التي لجأ إليها النازحون الفلسطينيون واللبنانيون في صيدا وبيروت، مؤكّدًا وقوف دولة فلسطين إلى جانب لبنان في مواجهة العدوان.
انطلاقًا من رؤيته الهادئة والشاملة عمل السفير دبور على ترسيخ بيئة فلسطينية داخلية موحّدة، عبر جمع الفصائل الفلسطينية المتنوعة ضمن إطار “هيئة العمل الفلسطيني المشترك في لبنان”، وذلك بهدف توحيد القرار والسير في برنامج مشترك يحفظ أمن واستقرار المخيمات، ويُجنّبها التورّط في أي صراع داخلي أو مع الجوار، ويُعزز التعاون مع الدولة اللبنانية لمعالجة أي قضية طارئة.
خلال أكثر من عقد، أظهر السفير دبور حكمة استثنائية في التعامل مع المواقف التي كادت أن تفجّر نزاعات مسلحة، وسعى في موازاة ذلك إلى تحسين الظروف الحياتية في المخيمات الفلسطينية، خصوصًا في وجه السياسات التمييزية التي تحرم الفلسطينيين من العمل في 57 مهنة. ورغم أن جهوده وصلت إلى مراحل متقدّمة قد تبشّر بنتائج إيجابية، إلا أن أحداث 19 تشرين الأول قطعت هذا المسار.
تغيير الصورة النمطية عن الفلسطينيين
لكنّ الأهم من كل ذلك، أن السفير دبور نجح في تغيير الصورة النمطية الراسخة في أذهان اللبنانيين عن المخيمات الفلسطينية، عبر تنسيق دقيق وشامل مع جميع مكونات المجتمع اللبناني، الدينية والسياسية والأمنية. وقد أسهم صدقه وشفافيته في بناء علاقة ثقة متبادلة، انعكست ارتياحًا ملموسًا داخل المجتمع اللبناني تجاه الحضور الفلسطيني.
وفي ترجمة فعلية لهذا التحوّل، نظّم السفير دبور عدّة أنشطة شبابية مشتركة بين فلسطينيين ولبنانيين في مدينة صور ومناطق أخرى، هدفت إلى تعزيز التفاعل والتواصل الثقافي والمجتمعي، وإسقاط جدران العزل والشك التي كانت تحيط بالمخيمات الفلسطينية لسنوات طويلة.